والبراءة تنتصر دائما آخر الأمر.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في كتاب" سحب عابرة" للمؤلف كاميلو خوسية ثيلا.

الإنسان كالسحب الممتلئة بالمطر، إما أن تنفع الكائنات بما تحمله أو أن تصيب الجميع بأضرار مميتة، هذا الاستنتاج تسرب من معاني كلماتي بعد أن استمتعت بقراءة هذا الكتاب، ولا بد أن يستخرجه القارئ أيضا من قصص حملت في طياتها نهايات مطلية بواقع ميت تبدأ بعده في كل مرة قصة جديدة، حيث إن القصص في كتاب"سحب عابرة" كتبت بأسلوب واقعي ودراميات خرجت شخوصها من الحياة الرتيبة داخل قصص ترجمها علي أشقر لنستمتع بها" إذ ترك الخيال يدور حول هذه المسائل" الموت والحياة والمسيرة التي لا يمكن لها أن تغادر الزمن، ولو رحلت الأجساد تباعا من هذه الحياة.

يمتلك كاميليو خوسيه ثيلا مفاتيح السرد القصصي، وتقنية الاختزال والتبسيط مع الاحتفاظ بواقعية القصة، والإحساس بالمصداقية في القص المتنوع الرؤى، والمحافظ على وحدة الموضوع الرئيسي، لنعبر من خلال نقطة ثابتة إلى نقاط متحركة في السرد الميلودرامي" وسأسمح لنفسي بأن أقص بكلمات مختصرة ما قصه علي كيما أنهي حديثي" إن الأنساق الحكائية التي قدمها كاميليو تميزت بنهاية تؤدي إلى بداية جديدة في كل مرة نقرأ فيها قصة تحتوي جماليات من فن قصصي محمل بنفحة إنسانية اجتماعية واقعية ذات وعي ذاتي يدور حول المواضيع الاجتماعية التي تجسد في غالبها المحيط الإنساني المختلف بمستوياته الفردية والنفسية لشخوص لها سلوكياتها وصفاتها الخاصة مثل" دون انسلمو يسدل جفنيه فوق عينيه عند الكلام. وبذلك تكتسب قسماته كل الأهمية التي يمكن أن ترسم على وجه عجوز وقبطان مركب تجاري متقاعد وممشوق القوام وطيب القلب"

لا ينفصل كاميليو خوسيه ثيلا عن الواقع، حتى وهو يقص لنا ما يعكس الأحداث المتخيلة داخل المشهد السردي مع شخصياته التي تعاني من الضعف النفسي، أو من ثقة زائدة، أو ما تختزنه من خوالج ذاتية تتأرجح بين الضعف والقوة، وهذه المفاهيم تتضح في أكثر من قصة، ليترك بعض الأجواء الشاعرية في قصص لا تخلو من الصور الجمالية المتخيلة التي تضفي نوعا من الدراماتيكية " بكاء مرثيليو كان على مارتا، لأنه أصبح لا يخطئ بها، لأنه لا يستطيع أن يحدثها ويقبلها كما كان يفعل من قبل، لأنه لا يستطيع أن يغني معها على الغيتار بصوت مزدوج، وبرزانة تلك الأغاني الحزينة التي غناها سنين خلت" إن اهتمام كاميليو خوسيه ثيلو بالصورة القصصية الواقعية المختلفة ينعكس على ذات المؤلف، ويترك آثاره من خلال المشاعر الفياضة التي من شأنها أن تخلق تفاعلات حسية بين القارئ وأبطال القصة، فيتولد الشعور برفض لشخوص ما وقبول آخرين، رغم تحولات سلوكياتهم لتقترب من المثالية النموذجية التي نجد أصحابها يحاولون الحفاظ على هذه الهوية التي تقود صاحبها أحيانا إلى العزلة، ورفض المجتمع أو الالتزام بشخصية وسطية حالمة تهرب من الواقع، لتعيش ضمن أحلام يقظة، فشخوصه الحياتية متنوعة اجتماعيا، وهذا ما يجعل من السحب العابرة تختلف تبعا للمكان والزمان، وماهية المحيط الاجتماعي والمفهوم البيئي وتأثيراته على الإنسان"ولا يعلم أن امرأ ما قد يضجر من بقائه مدة خمسين عاما متتالية هو ذاته، ثم يخطر له فجأة أنه بحاجة إلى التغيير، ويحس أنه إنسان آخر، إنسان مختلف بل متناقض" فهل الزمن وتراكمات البيئة المحيطة بالإنسان تؤثر سلبا أو إيجابا على المفاهيم العامة؟ أم أن ما نتعرض له من أحداث يجعلنا في طور النمو الذهني دائما، فإما أن نحافظ على سلوكيات معينة، أو نتخطاها وننحدر نحو الأسفل أو إلى الأعلى" والبراءة تنتصر دائما آخر الأمر" فلماذا نهايات القصص في كتاب سحب عابرة تنتهي بالموت؟ إن مضي الزمن لا بد أن يصيب الأشياء بالضجر أو الذبول أو الإحساس بالإخفاق والفشل أو الإحساس بالغرور والتعالي، وفي هذا التناقض هشاشة إنسانية تجعل الإنسان مثقلا بالمخاوف أو مثقلا بالأمل الذي لا يمكن أن يحقق السعادة التي يتمناها وفق أهدافه وميوله، لأنها قد تأتي مشروطة بالماضي أو الحاضر" المسألة هي أن الحقيقة أبطأت حتى تكشفت إبطاء الزمن بالعجوز ذاتها حتى ماتت."

السحب العابرة تعطي انطباعات حركية لسحب تتنقل كالأزمنة من مكان إلى مكان، وفق الأبعاد المدروسة حكائيا، لنشعر أن لكل قصة من قصصه زمانها الخاص، ومكانها المختلف، وكأنه يساير زمكانية القصة، ليضع القارئ ضمن الأحداث بمختلف توجهاته الحياتية، وبوصف شاعري شفاف يكشف عن حس غني بالعاطفة السردية، وبعقلانية عميقة جعلته يدرك قيمة المستويات الاجتماعية التي اختارها لقصصه التي تتميز بفنية سردية لها مداراتها وطقوسها وأحداثها وخلفياتها" وقد تحسب أني أتسم لأضفي الغموض على نفسي، ولألقي على روحك ظلا من الشك حول بساطتي" فالرؤية الفكرية أو المفهوم الواقعي يتوافق مع الشكل الأدبي الذي وضعه خوثيه ثيلا في سحب قصصه العابرة.

يمتلك كاميليو خوسيه ثيلا قدرة على الانضباط المتوازن في القص مع الحفاظ على مخيلة تنعكس بجمالياتها على التأثيرات المشهدية التي يمنحها ملامح سيكولوجية تثير الحزن، كما تثير الضحك أو الفرح، فهل يطوي الزمن كل" الرفاهية الروحية والمادية للإنسانية في المستقبل" إن الشخصيات المتنوعة في السحب العابرة كالمطر وتحولاته من مكانه لمكان، ومن لغة الذات إلى لغة المجتمعات التي تقود الفكر إلى نوعيات تنصهر ثقافيا واجتماعيا، ونوعيات ترفض كل هذا، لأنها قد تتعلق بموروثات تجعلنا نشعر" بهشاشة الحياة وسرعة زوالها " إذ تتضح الرؤية في كل صورة حين يكتمل المشهد بتجليات نهاية البداية، وكأن دائرة السحب كونية هدفها مسايرة الحياة في جوانبها القدرية التي تضع رموز الخارطة الجغرافية أمام الإنسان، ليترك أثرا خلفه هو التعيس إذا حدد هذه الصفة بعد سرد توشح بقضايا مختلفة " ما أتعس من لا يخلف ابنا يذكره، وما أتعس الشاعر الذي يدفن وشعره "

تتناقض المفارقات في كل قصة قدمها خوسيه مستجيبا بذلك لمسارات الأزمة النابعة من الاتساق في البناء القصصي، لتتصدر كل قصة في الكتاب درجة أدبية توحدت مع النهاية ، ليبقى اسم الشخصية الأولى في القصة ذات البعد الواحد كضوء مسلط على فكرة تشتعل مع ذي الساق الخشبية، حيث المأساة الإنسانية تتكرر في أكثر المشاهد الحياتية التي منحها خوسيه وصفا مكانيا، ليتميز المكان بصفة زمنية توحي بدلالات زمكانية اجتمعت في المشهد الواحد" ويعلو البيت على كلا جانبي الرصيف ذلك الزنجار الذي تضفيه السنون وحدها " إلا أن نقطة الموت هي نقطة النهاية التي لم تفارق كل قصة من قصصه التي لم تخلُ من لوحات ذات طبيعة صامتة منحها خاصية فنية تزيد من جمالية المكان الذي يوحي بالكلاسيكية " وكانت المائدة تبدو لمظهر براق بغطائها الأبيض وآنيتها الخزفية القديمة المنقوشة، وصحونها الملأى بالنقل، وفواكهها المجففة وحلواها من الماثبان المصنوعة على شكل دمى، وهذا ما يمنح القصة جمالية تنبع من البيئة الزمنية نفسها التي حددها تبعا للمكان الملفوف بالزنجار، ليوحي بمفرداته هذه بزمنية الماضي لقصة يرويها بأسلوب قاص امتلك أدواته الكتابية.

إن فكرة الموت تبدأ بموت الأشياء التي تفقد شيئا فشيئا بهجة الحياة، ليصبح الموت في النهاية هو راحة تبدأ بها الأشياء الأخرى متل الساق الخشبية لخواكين، وعين زوجته والقباحة، وحتى" الإيمان دون عمل إيمان ميت" ولكنه في الوقت نفسه يضعنا أمام فكرة الانتحار، وما يترتب عليها في الحياة الأخرى من نتائج تودي بصاحبها إلى الجحيم" تصور نفسك أن دورك حان بغتة، ومثلت أمام الله، وأرسلت إلى الجحيم لأنك منتحر" واضعا بذلك القارئ أمام اعتراضه لفكرة الانتحار، ولكن السحب العابرة ستمضي، لأننا في هذه الحياة مثل هذه السحب الماضية والملتزمة بدورة الحياة وفق استدارة الوجود، وكينونة الإنسان الحياتية.

Doha El Mol