في ما وراء الذكرى "الوردة الضائعة"
ضحى عبدالرؤوف المل
وعي ذاتي لإدراك الأنا، وعبور لحدود الحواس بل لفهم الذات وحثها على البحث عن الجوهر، وعن حقيقة الوجود وفيك" انطوى العالم الأكبر" فالإنسان عبر مسيرته الحياتية يكتسب صفات من حوله، لكن ما تحمله خلاياه وجيناته الوراثية لا يستطيع بترها إلا إذا فهم رحلة الحياة، وجعل من الوعي منارة ذات إشارات ضوئية يفهمها، بل ترشده إلى الطريق الصحيح، ليكتب "سيرة حياة على بياض" فهل من أحد يستطيع هذا وقد بلغ من العمر عتيا؟ أم أنه كما يقول سرادار أوزكان:" الأحلام هي خميرة الواقع" فتجارب الإنسان النفسية ترتبط بيولوجيا، وما يحمله في الوعاء الذاتي أو الداخلي من استنتاجات متعلقة بجوانب متعددة من سنوات حياته، فما طبيعة الوردة الضائعة و"رياضيات سماع الورد" إلا محاكمة النفس، واكتشاف الجوهر الحقيقي للروح ولوجودها داخل الجسد، فالتشابه الخارجي يحمل صفات واحدة، لكن التشابه الداخلي له برنامجه الجيني الذي لا يخطئ.
إن رواية سرادار أوزكان التي ترجمها أنطوان باسيل هي رواية نفسية لحالة شعورية تترجم صورة من طبيعة علاقة الإنسان بالذات، فالروائي يشعرنا بتعدد الأزمنة، واختلاف الأماكن لخلق بناء متماسك يتجه نحو اكتشاف ماهية النص في صياغة استخدم فيها تقنيات تروي الأحداث، وتربطها بأسماء آلهة تعيدنا لزمن الأساطير التي تحمل في طياتها مقولات سردية قدمها للقارئ في تشابه روائي مع رواية" الأمير الصغير" حيث يقول اكزوبري في روايته: "لأن السكير يرى الأشياء مزدوجة، فحيث يكون جبل واحد يرى السكير جبلين" ويقول سرادار:" التقطت رسالة أمها الموضوعة إلى جانبها، وهي الرسالة التي جعلت الزجاجة الواحدة تتحول في غضون دقائق إلى زجاجتين في إيحاء بأنها مخمورة، وقد تكون توأمة الأشياء الداخلية هي مرايا نرى فيها الأخطاء في لحظات ضعف روحي ينعكس على الوعي".
يقول أفانوف :"إن وعي وحدة الحياة يأتي تدريجيا ونتيجة لمحاكمات طويلة وتفكير مجهد أو لإلهام مفاجئ ووعي، وحدة الحياة يبدو للبعض وكأنه انكشاف للحقيقة يتأتى في أعقاب اكتساب الوعي الكوني".
استطاع سردار فصل الوقائع السردية من خلال مخيلة شعبية استحضرها من حكايات تركية قديمة، وأساطير جعلتنا نتذكر حكايات جدتي، ونتساءل عن جحا ومفتاحه، وعن رواية الأمير الصغير ما هي؟ ماذا تقول؟ ما الذي قرأته ماريا في هذه الرواية، وجعلها تتخذ قرار مغادرة البيت" أغادر لأسترد وردتي" فهل الوردة هي أختها ديانا أم أن الوردة هي كل حق مكتسب نسعى لاسترداده، فنتجاوز المألوف، لنكتشف الأنا، ونعيد بناء الشخصية مع الحواس التي تتذوق كل جمال وجودي، في طرح موضوعي نفسي هدفه الأساسي الارتقاء الروحي، والبعد عن الغرور وعن المكتسبات الخطأ، فالطبيعة تمتلك قدرة هائلة للحفاظ على بيولوجيتها، لأنها بعيدة عن الانفعالات السريعة التي يعيشها الإنسان، لهذا فالسارد هنا يعطي الوردة أهمية الإنسان القادر على محاورة نفسه بل على محاكمتها أيضا، ليتم تطهيرها كي ترتقي إلى جوهرها الحقيقي، وتنفض عنها غبار الزيف اللاشعوري، والانفعال الهش بعيدا عن وردة جميلة" عدم القدرة على سماع الورود قصاص كاف لأولئك الذين يخفقون في سماعها" فاكتشاف الوعي الخفي للذات لم يقتصر على ديانا أو ماريا أو زينب، إنما هو وعي المؤلف أيضا، وكأنه يكتب سيرة حياة ليكتشف وعيا آخر، فجوهر التفكير الذاتي لا يمكن اكتشافه إلا من خلال خلق حوار مع آخر افتراضيا، لأن كل منا مسؤول عن وردته، والوردة ترمز إلى النفس التي تنازع صاحبها لتظهر الأنا بقوة" نهضت ديانا، وأضافت: سأقهر في يوم من الأيام هذا الألم كله، وأنجح في أن أكون ابنتك".
إن للوردة الضائعة تأثيرا على المتلقي يختلف باختلاف القارئ، فالعناصر المكونة لها جمعها من مخزون معرفي ثقافي، واستطاع تفسيرها وتحليلها، واستخراج مقولات نفسية يتأثر بها القارئ، ليقوم بتفكيكها في اتجاهات مختلفة بدءا من ديانا والشحاذ، والرسام، والرسائل، وزينب، والوردة، لنبصر عمق المقصود. فلكل شيء في الكون لغة خاصة به " ثمة في الحقيقة قول مأثور أحبه وهو ما دام الوقت ينساب قدما، فالمستقبل الذي نحن مأخوذون به ما هو إلا ماض لم يُمس؟" فهو استعمل رموز ودلالات، فك معانيها يحتاج الدخول إلى اللاوعي، لنكتشف ما استند إليه في خبرته في علم النفس، وهنا لم يفصل نفسه روائيا بل كان في كل شخصية يدخل النص معنا في صلات مخفية، كما اعتمد على الحلم الفرويدي أساسا للرسائل التي وجهتها ماريا، مما جعل للقراءة سيكولوجية لها تطورات نفسية يسعى من خلالها إلى اكتشاف الذات بقوة، وكأنه يضعنا أمام فرويد، وفكرة الصراع بين حب الحياة وغريزة الموت، وبين الأنا والروح، والغرور والتواضع، والحقيقة والوهم، لكنه أخرج كل ذلك من قمقم مدينة أفسس، ليرمز إلى قوة البقاء وروح المحبة" وهي تجسيد للعبودية والانعتاق. أفسس المدينة التي تتداخل فيها التناقضات، المدينة التي هي إنسانية الروح الحية."
سرد مشروط بالوجود الزمني المتنقل من مدينة تاريخية جرت فيها أحداث دينية إلى أسطورة ديانا الرومانية وديانا التركية، إلى اعترافات في رسائل حافظت على البنية الداخلية، واختزلت محاكاة هي المحور الأساسي للرواية، في حركية جعلت من دائرية الحبكة قادرة على تحديد اكتشاف السر بالمعنى الرمزي، وفي قدرتنا على التساؤل المقرون بسؤال أين وردتي؟ فهل لكل منا وردة يحتاجها، ليحاكي النفس الأمارة بالسوء، أو النفس اللوامة؟
إن سماع الورود يشبه عمل الحلم، وهذا خلق أسلوبا تعبيريا رقيقا غير مباشر لإخراج الحوار الداخلي إلى الخارج، كأنه في جلسات تنويم مغناطيسية في فنتازيا قادرة على إشباع القناعة للقارئ، لكنها رحلة في حديقة تشبه كوكب الأمير الصغير، فالتفكير الذهني محض تخمين لكنه نسبي" وهكذا لا يمكن الوصول على الأغنية الحقيقية عبر التخمين المحض للفكر، بل فقط من خلال الاستبيان علينا أن نفهم أولا أننا لا نسمع الورود بآذاننا بل بقلوبنا" فهل نسمع نداء مسجد الأقصى بقلوبنا؟
إن دمج الواقعية في المتخيل السردي لخلق أحداث تقدم رؤية مصطنعة تشبه عمل سرادار أوزكان، فهو جمع وروده في حديقة واحدة، لكنه جعل من أريج الورود عطرا مصطنعا، وقدمه لنا في عمل أدبي لجأ فيه إلى الوعي الثقافي الشخصي من خلال تجربته الشخصية العميقة في دراسة علم النفس، لأنه " لا بد من أن وجود الورود الاصطناعية، إلا لأن ثمة ورودا حقيقية موجودة" فوجودها لا يفعل سوى إبراز قيمتنا، فمن الذي يقلد أمرا غير ذي قيمة؟ فهل للأمير الصغير قيمة كبرى يجعلنا نقلده، ولكن بأسلوب يعكس الوعي، ليقترن بأخلاقيات اجتماعية راقية تعيد تصحيح مساراتنا، فنكتشف سر الوردة؟
Doha El Mol