هو الشعر.. قراءة في كتاب" الصعود إلى بلقيس" للشاعر الفلسطيني مروان الخطيب.

ضحى عبدالرؤوف المل

يبدأ الشاعر الفلسطيني مروان الخطيب عنوان كتابه المؤلف من مجموعة قصائد شعرية توحي بحركة صعود رمزية تشير إلى الأعلى، أو إلى الانطلاق نحو مملكة بلقيس، حيث تتربع فلسطين على عرشها الأزلي ما بين السموات والأرض، ليقول لنا في قصيدته الأولى من الكتاب "هو الشعر" مفتتحا كتابه والقصيدة بقول كونفوشيوس:" ليكن الشعر البداية، ولتكن الأخلاق الحميدة الوسط ، ولتكن الموسيقا النهاية" فالارتحال من الزمان إلى المكان هو ارتحال مجازي نفسي مركب من الضيق حيث تعثر القضية الفلسطينية، والإحساس بالأمكنة العاجزة عن الاحتواء الفلسطيني الذي تعجز الأنفس فيه من قبول فكرة الاحتلال والارتحال، وحمل القلم للجهاد في سبيل تحقيق الحرية، فالشعر عند مروان الخطيب هو حالة تتنوع فيها المشاعر ما بين" حالة فريدة من النبض الأزرق" وما بين" لحم ودم، وابتهال أحمر الوجدان والخدين" فهو الكائن الماضي، والكائن الحاضر، والمصلي في كل الأزمنة والدهور" هو الشعر حيث تمتلئ الصور البيانية بالمشاهد الحسية المملوءة بالأسى الإنساني المشبع بالتمني" وبكل الصور المترعة بالحزن واللا إنسانية، والمتجولة بين هيروشيما وغزة والفلوجة، وبين صبرا وشاتيلا وتل الزعتر، وبين الخالدية ونهر البارد؟ فالمأساة الفلسطينية في شعره المترع بصرخة زرعت الدموع بحضن القمر، فهل من يسمع صرخة شعر فلسطينية صاعدة نحو السموات، أو حيث الجذور التي تنتمي إلى بلقيس، أو عرش سليمان التائه على الأرض؟.

"وانقطع الحبل ..انسدت آفاق الدنيا، وانشل الوصل." تقاطعات شعرية ومعان ذات نكهة راعشة من لثم الأوراد، وما تحمله من تعليلات متأثرة بنزعة فلسطين، لا تكتفي بفلسطين المحتلة بل تصل إلى مخيم نهر البارد حيث عاش الشاعر فترة من الزمن، وتذوق من الترحال ما يكفي ليقول:" في خارطة الأرض الكبرى، فلجت أطرافي اليمنى واليسرى، والقلب تخطى الإسفنج، تفتت فيه الضوء، وصار فراغا، من دون صراخ أو همس" فالتلويح الرمزي في المعاني المسبوكة المصبغة بالعاطفة المرتبكة ما بين الوطن والمرأة، والأم والأب في معراج الريحان والموازنة في الخطاب، وما يشابهه من قوة سقوط تتناقض مع الصعود "سقط الطاغية المجزار، مات الفاشي الغدار، وتنهد بعد الليل الفاحم، صبح، حبر، ونهار، ليرتجل فجأة حيث تأتلف الحواس معاني مفرداته المنتظمة في التعبير عن الإحساس الفلسطيني بما يحدث فيقول: " هذي الأرض نبات الله، وصورة مريم والأخيار، وسيحرسها عدل المولى، من نيرون وماكيافلي وسترجع طوقا من غار".

يقول الشاعر مروان الخطيب بعد سؤالي له: لماذا الصعود إلى بلقيس؟:" "الصُّعود إلى بِلقيس" يحملُ فلسفةَ المكانِ والزَّمان، عَبْرَ هذه التَّسميةِ اللَّافتة والدَّامجةِ بينَ الصُّعود كفعلٍ فيهِ رمزيَّةُ العلوِّ، وبينَ (بِلقيس)، المُدثَّرةِ بلبوسِ الحِكمةِ والجمالِ والنُّضوجِ، بكلِّ أبعادِهِ ومقاييسه، وهو الصُّعودُ إلى بِلقيس يكادُ يحملُ في التجلِّيات الشِّعرية أبعاداً فكريَّةً تُطِلُّ على كُلِّ قضايا الأُمَّةِ من بحرها إلى بحرها، ومن يابستها إلى يابستها، وعندَ هذا الحدِّ، أرى نفسي مُتلبِّساً بفلسطينَ وسواها من قضايا العربِ والمسلمين، وبالمرأةِ مرقى للجمالِ الآسرِ والمُشتهى، والسَّابحِ بينَ أبعادِ الأرضِ ومراقي السَّماء" .

شخصيات بدأت مع بلقيس وكلمة كونفوشيوس، ولم تنته عند رغبة جلجامش أو محمد بوعزيزي، نيرون ميكافلي، أبي لهب ، هيروديا، باراك ودايان..وغير ذلك من أسماء شخوص تغلغلت في قصائده، واستطاعت خلق ترميز روائي قصائدي إيحائي، ليروي قصة الإنسانية منذ سيرة وجد حتى نداء الشام حيث حنين العطوش وبنضج فني يروي من خلاله "رواية عكا ، حيفا، يافا، والأقصى الدائخ من خذلان الأقزام" فالصور المتداعية من الوعي التاريخي هي جزء من شخصية المناضل الفلسطيني المتألم من ذاكرة لا تمحو أي تفاصيل فيها على مر الزمن" لن أنسى الجرح الأول والخامس، لن أنسى الغبراء وداحس، لن أنسى النهر البارد، تل الزعتر، والأغوار، والوجه المتشظي العابس، ومعابر حيف، لا ترضي إلا الاستعمار" ليستكمل كل الوجع الفلسطيني بوجع يلحق بالفلسطيني حيث هو في أي مكان موجود فيه على خارطة الأرض الكبرى" لن أنسى بيتي، مبخرتي، ومناديل الدمع الصارخ والصامد كالفخار، ألعاب صغيري وبكاء محمد، وهنا استوقفتني كمية الأحزان المتلاحقة حيث احتراق منزل الشاعر مروان الخطيب في نهر البارد طرابلس لبنان، وفقدانه مكتبته التي رثاها في أكثر من قصيدة، فهل فعلا كما يقول شاعرنا المتألم من كل ما يجري للإنسان بشكل عام، ولابن فلسطين بشكل خاص" في الدنيا، خارطة أخرى تشبه خارطة الطليان؟

من صورة لصورة يتسلسل القارئ في كتاب" الصعود إلى بلقيس" حاملا ذائقته موصولا بسلسلة شاعرية من هنا وهناك، وذاكرة الليلك، وتهجي هسيس الرمال، ليصل إلى طريق الرجوع حيث معنى القوافي محمل بالحب والطيوب الذي لم يفارق الوطن رغم الشوق المشتعل بنبض مذاب، فالرؤية النفسية للشعر مغموسة بقصائد رفع ترسها البياني، وإيقاعها المتكون من دبيب الشوق، ومخيمات العز والقدس السخية والجليل تاركا كل خائن لفلسطين" خارج القسم المدون بالدماء وبالذهب." مضيفا بذلك لغة سياسية مبطنة يرمز إليها بالذي خان العهد، وبزعيم خالد مجواد، فالبناء الموسيقي المتسارع في قصائده ناتج عن قوة الخطاب المتفجر من أعماقه الموجوعة التي جعلته يرسم نهر البارد في هيبة إنسان" ونور الحب الصاعد من رحم الأحزان" فالرؤى الشعرية ذات الأبعاد الفكرية المنادية بالإرث السامق بهدهد بصحو في أيار والقصة الكبرى مع عهد الله سليمان ، وسر الإنسان حيث أمسك بتكنيك وجداني محبوك بشعرية روائية تستفز القارئ، ليكمل القصائد بثورة ملحمية تبكي وتصرخ " يا رب، تتالت فوق الهامات النكبات، قيصر يكتب أحلام الهذيان" فالأسلوب الشعري اندمج مع التشكيل الروائي الغني بملامح الأحداث المحفوظة في قصائد ابن فلسطين، وابن المخيمات وابن نهر البارد وتكراره في أكثر من قصيدة رسم أبعادها بمواصفات المكان وتيه الزمان وتفاوت كل قصيدة في اشتداد النفس الشعري، والاسترخاء عند رفع الابتهالات إلى الله حيث السكون بعد حركة متواصلة لا تتوقف حتى في قصيدته" تراتيل الحنون"

عنفوان في الصور الدرامية التي تشابكت فيها الرؤيا، وتمثلت بتجاذب المعطيات اللفظية والأخيلة التصويرية "من رؤيا التاريخ الساجد في حرمون" والوجوه البيانية المحلقة بلاغيا في فضاءات القصيدة المتنامية، وبما يتناسب مع جماليات الشكل والمضمون والإيقاع السريع المتباطئ فقط عند الابتهالات، فالموضوعية الشعرية انطلقت من الذات في حركة صعود هي صلة وصل واتصال بين السماء والأرض، حيث تصل الصرخة الفلسطينية إلى أقصى مداها وأبعادها مع الحفاظ على الرؤية الواقعية المستمدة من وجود الشاعر في نهر البارد" للنهر البارد قصة هابيل" لأن وضوح الفكرة في الصعود يقابلها السقوط لمن تهاون بحق فلسطين، وما بين التضاد في مفردات السقوط والهبوط " مشتعل حبك في أنحائي، يذروني، كازغب الثامل الهائم " فهل من نبرة شعرية تتأرجح ما بين حب الوطن وحب المرأة، والتمسك بهما، لتولد فلسطين متأصلة من رحم شعب يروي بلغة شعرية معاناة شعب تمنى الصعود إلى بلقيس .

كتاب "الصعود إلى بلقيس" للشاعر الفلسطيني مروان الخطيب من إصدار مركز محمود الأدهمي الثقافي للتوثيق والأبحاث والمعلومات.

Doha El Mol