الألوان القابلة لتغيّرات الظل في أعمال الفنان راؤول دوفي
ضحى عبدالرؤوف المل
تبرز التناقضات في أعمال الفنان «راؤول دوفي» (Raoul Dufy) على المساحات المُسطحة ذات الألوان القابلة لتغيّرات الظل، بشفافية الألوان المائية التي تنبض بالحياة وتتأقلم مع سحر الضوء الطبيعي والصناعي، وبدرجات تمنح الألوان رؤية تختلف على مدى المرحلة التي يتم تسليط الضوء على جداريته المزاجية لونياً، والمؤرّخة لتاريخ الكهرباء بمراحلها المختلفة من المخترعين لها أو الذين سعوا لتطويرها عبر الزمن مع المزج الرمزي لمراحل تأثيرات الضوء على الأشياء من حولنا. فالإضاءة هي الأثر البالغ في التكوين المؤثر على الظلال التي تُشعرك بقيمة اللون في إثراء البصر بالمعنى الضوئي في الرسم أو مؤثرات الضوء على الأشكال، وهو بهذا يشير إلى جمالية المدن المضيئة ليلا بالكهرباء، أكثر من الإضاءة النهارية التي تجعل من رسوماته شفافة جدا وساكنة على عكس الضوء الكهربائي، وضمن النهج الموضوعي في استخدام الألوان الزاهية التي تُشعرك بالانتعاش البصري مروراً بأهمية الضوء لإحياء المناظر الطبيعية بعيداً عن مفهوم الجماد والزخرفة وما إلى ذلك مما توحي به رسوماته حتى ما هو مرتبط بفن الديكور، وإن كان تعامله مع الطبيعة هندسياً في غالبه من حيث قيمة الشكل والتفاعل مع الألوان الباردة في القسم العلوي من رسوماته تماما كما السماء في علوّها فوق سطح الأرض للناظر لها من الأسفل بينما هي - فعليا - تتحرك غيومها بشكل بطيء خلال النهار وكأنها تولد مع الضوء وتصبح ظلية في الليل. لهذا استنتج من الألوان قيمة الضوء واختلافها باختلاف قوته وخفوته متلاعباً بالأحمر والبرتقالي، وبرمزيات الشمس والقمر معاً، وإن ابتعد عن الألوان الحارة غالباً في الجزء العلوي من رسوماته، إلّا أنه في الجدارية الكبيرة ترجم استنتاجاته في الفن التشكيلي والألوان المائية والغواش، لتصوير متعة الحياة بين الطبيعة والمدن والضوء الذي يمنح الأشياء الحياة من الأزرق والأخضر الزمردي إلى لون الزهري الهادئ، وشفافيته الباهرة مع الضوء الذي جعله في حالة تأمّل لتغيّرات ألوان الحقول مع فترات ظهور الشمس المختلفة في النهار. فهل يتأثر الفنان التشكيلي بالمعنى المسرحي في المشهد الذي يمتد أمامه من خلال الطبيعة؟ أم أن للضوء أهمية مختلفة بعد أن تم اختراع الكهرباء وتأثره به عندما يتأمل الطبيعة أو الأبنية التي يُسلط عليها ضوء الكهرباء ليلا؟ وهل أراد تخليد قيمة حركة الضوء عبر اللون في كل ما هو انطباعي مولود من الطبيعة أولاً ؟
يجمع «راؤول دوفي» بين عناصر الطبيعة كافة وتأثر الإنسان بها، وكأنها خشبة مسرحية سينوغرافية انطباعية تمتد إلى ما لا نهاية وبزخم انطباعي ذي خطوط رقيقة وناعمة وضمن إيقاعات العناصر المُختلفة في رسوماته من شمس وشخوص من أساطير وواقع، ومعامل كهرباء كبيرة وآلات وألبسة وديكورات، وهذا ما جمعه في جدارية كبيرة تكشف عن قيمة حكاية الماضي بأساطيره المختلفة على مخيّلة الفنان الذي أبهرته الكهرباء ومنحته قدرة على استكشاف قيمة الضوء الكهربائي على الحياة وجماد كالأبنية والديكورات في الشوارع والحدائق العامة التي تترك الأضداد تنمو عند المتأمل لها وتؤثر على الذوق الجمالي للإنسان الذي كان يركن على ضوء الشمعة فيما مضى، وإن كان لها ظلّها الخاص، إلّا أن حركة الضوء الكهربائي على الأعمال الفنية لها مفعول السحر على المخيّلة. فهل مرونة ريشته في الألوان المائية تختلف عن الغواش؟ أم أن الجدارية هذه اختصرت رحلته الفنية ونظرياته الخاصة في تأثير الكهرباء على الحياة ومنافستها لضوء النهار الذي يجعل من الألوان المائية الباردة هادئة جداً بعكس الضوء الكهربائي الذي يمنحها حرارة وحركة وحيوية، وكأن جداريته هي مسرح مفتوح لرؤية قيمة الضوء عبر الزمن؟ وهل استطاع جمع الانطباعية مع الأسلوب التصويري الخاضع لفنتازية مسرحة الضوء؟
Doha El Mol