الهوة بين الخرافة والإيمان.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "باراباس" للروائي بارلاغرفيست، ترجمة سعدي يوسف.
" كان يقف رجل مثبت العينين على المحتضر في الوسط ، يراقب النزاع من اللحظة الأولى حتى الأخيرة، كان اسمه باراباس" حبكة روائية مبنية على فكرة واحدة يعالجها بارلا غرفيست بحنكة أدبية وجدلية عقلانية تؤدي إلى نتيجة حتمية بعد سلسلة من الأحداث يرويها من خلال شخص "باراباس" وصفاته، وكينونته المتشابهة مع واقع الحياة برمتها، وبتكوين بسيط تترتب من خلاله الأفكار بمشاهدة تلقائية، وبعفوية سلسة معقدة أحيانا محاولا بذلك شد العقدة، ومن ثم فك كل طلاسمها بعد ربط عقدة أخرى حيث الفعل الروائي يتفاعل عبر مسببات متعددة لها بداية ووسط ونهاية ذات رؤى منسوجة إيحائيا، لتعيدنا إلى نقطة البداية أو بالأحرى إلى" باراباس" والفكرة الأساس التي يحاول بارلاغرفيست المسبب لها أو دراستها، لأنها ذاتية في تطلعاتها الدنيوية التي يصعب فهمها على الإنسان العادي، إذ تبدو مفرداته سريالية في بعض منها، ومتناقضة في مضامينها الرؤيوية والموضوعية، بل تتراوح بين الاختفاء والخروج ضمن المجاز نفسه "صحا من غفلته وخرج من المجاز نفسه" فهل" باراباس" هو خيال روائي يعيد من خلاله بناء قصة السيد المسيح ليعيد بارلاغرفيست تصحيح أخطاء الزمن؟
تباين بين شخصيتين، على إحداهما الخروج، وبما أن الحياة لا تمتلك موازين العدل الصحيحة ، فمن الطبيعي أن تميل كفة الميزان لإحداهما بعد تلاعب بالموازين، ليؤكد لنا بارلاغرفيست أن قصة السيد المسيح تعيد نفسها في كل زمن ومكان حيث تنحصر مفاهيم الصليب برمزية الظلم والوحشية المرتبطة بالنفس الإنسانية الميالة إلى العدوانية والتسلط ، والرضى بتقديم الذات فداء للآخرين، ولكن دون نسيان المفاهيم الدنيوية المرتبطة بعاطفة الأم، والبعيدة عن المثل العليا والبراءة والطهارة التي ذكرها، كأنها نابعة من قرار" لأنه جعل نفسه يصلب مع كل براءته وطهارته" فتعميق الصورة مرتبط بالحدث المعروف عامة، وهو صلب السيد المسيح ورمزية انتصار الشر على الخير مع ارتفاع في وتيرة التفاعل التصويري والأسلوب المتماوج والتحفيزي، ليؤدي إلى تأثيرات داخلية يغوص من خلالها القارئ إلى العمق، محاولا فهم الفكرة ولا سيما أن قصة السيد المسيح معروفة منذ آلاف السنين، إلا إنه أتقن الرسم الخارجي للشخوص مع استثناء واحد لشخص مختلف عن سواه .
تتألق الأفكار وتخبو في رأس "بارباس" محاولا فهم الظلام الذي أغرق المكان للحظات، لحالة بدأ بتحليلها في مراحل متقدمة من الرواية، إذ لم يفارق الحدث مخيلة "بارباس" الذي تسرب إلى نفس القارئ، ليقول معه:" أيمكن أنه تخيل هذا كله؟ "مع التلميح والإيحاءات بالاستنتاجات المرتبطة بحالة الرجل الذي حل مكان" بارباس" وبتطور ينم عن أخلاقيات تظهر في شخصية" بارباس" المتناقضة تماما مع مفهوم البراءة والطهارة، وبتداعيات متخيلة، تثير القلق التمثيلي المرتبط بفكرة الزمان والمكان وأورشليم والزلزلة، والأقاصيص المروية عن السيد المسيح بدون نهايات يدركها "باراباس" مما يزيد من حيرته ودهشته نحو ذاك الرجل الذي افتداه " لست أرى سببا لوجوب موته، وبتلك الطريقة الرهيبة، لكن كان ينبغي أن يحدث ذلك مثل ما تنبا، يجب أن يقع كل ما هو مقدر" فما هو المقدر؟
هذا ليس بكلام توراتي لا نقاش فيه، هو نقاش روائي غني بحواره الداخلي الدافئ في معطياته التحليلية المقنعة ضمن دهشة " باراباس" التي لم تغادره من بداية الفكرة التي بدأ بها بارلاغرفيست روايته الباحثة عن الهوة بين الخرافة والإيمان لردمها بعقلانية لا شك فيها، وباتزان حواري يحافظ على مستوى الأسلوب الذي يميل نحو قوة التفكير بالأمور الإنسانية والماورائية، المقترنة بقصة الإنسانية وموازين الخير والشر ضمن المعنى الذي لا نجد من تفسير منطقي له، فمن هم الخطاة في العالم اليوم؟ وهل يحاول بارلاغرفيست زرع الشك واليقين، ليتولد الإيمان من منطق عقلي لا فلسفي يحض على متابعة الرواية بألسن تحاكي الحدث القديم بعهد جديد، وكأنه يباشر تحقيقاته في الجرائم ضد الإنسانية منذ بدايتها مع قصة السيد المسيح بأسلوب سيميائي تحليلي وإسقاطات متعددة .
غايات سلوكية معقدة لا تفسير لها تترك " باراباس" في حيرة، فنتساءل معه: لم خرج حرا من السجن، وبقي الآخر محكوما بالموت بينما هو الذي يجب أن يصلب؟ فما الذي يجمع بين العهد القديم والعهد الجديد في رواية " بارباس"؟ لقد تجلت المفاهيم المسيحية والاختلافات الجزئية والأساسية المروية كأحداث مر بها " باراباس" بغرابة تكشف بُعد الإنسان عن الجوهر، وتمسكه بالقشور التي لا تمنح الحقائق إلا مزيدا من الغموض" ظل باراباس يسأل نفسه عن سبب بقائه في أورشليم، وليس لديه ما يفعل فيها، إنه يظل في المدينة بلا قصد، ولا عمل . وافترض أن أصحابه في الجبال استغربوا من مكثه الطويل، لماذا بقي؟ هو نفسه لم يعرف السبب."
استغراب دهشة وقائع يحاول تحليلها " باراباس " بفكر الإنسان العادي غير المدرك لتصرفات مبهمة قام بها المسجون الآخر الذي منحه الحياة بعد أن حكم عليه بالإعدام" ولكنه ترك رؤية تفاصيل من افتداه من خلال كلام الآخرين عنه، وما أدركه هو بنفسه من رؤية الظلمة، ومشهد انتقالي من حال إلى حال كاشفا عن صراع نفسي تتقاطع فيه مسألة الإيمان بتفاصيل ليست من بديهيات الأمور التي يجب أن يفتش عنها الإنسان، إذ يعتبر بارلاغرفيست أن الانسان يترك الجوهر ويبحث عن الاستثنائيات في حين أنه ينسى مسألة الإيمان بالتفكر والتحليل والمنطق، وبصدقية الرؤيا بعد تجريدها من العبثيات التي تمتد لها يد الإنسان.
إيحاءات قوية تستدعي الذهن لتقوى حواس القارئ على التركيز بعمق لما يوحي له بارلاغريفيست بمهارة روائية تبتعد عن الأديان الظاهرة، وتتعمق في لب الإيمان الذي يقود إلى البحث عن الحقائق ومعرفتها دون زيادة أو نقصان، ودون أي ثقافات دخيلة على الإنسان نفسه، إذ يستعصي على الإنسان معرفة الحقائق بكاملها، فالأمر عند بارلاغريفيست نسبي في تطوراته، لأن" المرء لا يعرف إلا القليل" وهذه كلمات تختزل واقع الحياة الإنسانية التي لا تكتمل عبر الأزمنة، لأن كل زمن يمسك بيد الآخر في رحلة أشبه برحلته من أورشليم إلى روما بكل متغيراتها الفنية المصورة ببعد تراجيدي" صحيح أنه يعرف أن الميت لن يقوم من موته، لكنه كان يريد أن يرى هذا رؤية العين، كي يتأكد، ولهذا استيقظ جد مبكر، قبل شروق الشمس بوقت طويل، وكمن ينتظر خلف دغل الطرفا، على أي حال ، فكر مندهشا من نفسه، لأنه فعل هذا، ولأنه هنا."
الإيمان يحتاج إلى قدرة داخلية تنير الذات وتجعلها صادقة من خلال الدلائل الحسية التي تفك شيفرات ميتافيزيقية يتفكر بها "باراباس" عبر رحلته الروائية الغريبة، وفي بعض منها رحلة الإنسان بين الرفض والقبول، والإيمان والإلحاد، والأسباب التي تؤدي إلى الوصول بالفكر حيث الطريق المؤدي إلى الهلاك، فلا مفر من الأقدار، ولو منحتنا الحياة فرصة تلو فرصة، فهل أدرك " باراباس" حقيقة الأمر الذي بدأ بفكرة مفتوحة على عدة احتمالات تحتاج لاجتهادات فكرية، ولمنطق تحليلي متين للوصول إلى نهاية رواية لا يمكنك قبولها، ولا رفضها؟
Doha El Mol