الفن التشكيلي في العراق محاولة لفهم أفضل لحاضر المنطقة

ضحى عبدالرؤوف المل

للفن التشكيلي العراقي جماليته النابعة من تاريخه الفني المثقل بمعالم الماضي والإرث الحضاري، وتلك العلاقة التكاملية مع الأزمنة التي توضح أهمية الفن في مجالاته الكثيره، ومحطاته المهمة في تاريخ الشعوب. غير أن للتشكيل مؤثراته البصرية التي تهدف إلى إظهار قيمة الأحداث التي تمر على البلاد بشكل خاص،لإيصال التأثيرات من خلال العمل الفني ومدى التفاعل بين أعضاء المجتمع الواحد ،وبين العمل الجمالي والأعمال الأدبية أو الفنية الأخرى. كالمسرح والغناء والرواية والقصة وما إلى ذلك .إذ تشغل اللوحة التشكيلية مكاناً واسعاً في عالم باتت شبكات التواصل فيه تعتمد على سرعة الخبر والانتقال، والإرسال الذي يعتمد على سرعة بصرية تعتمد على تقنيات متعددة،لكل منها قوتها في الجذب والتأثير، لتكون الفنون التشكيلية مرهونة بمقدرتها على الاستمرارية، لما تحمله من قوة في المعايير والمقاييس والمساحات المدروسة، كونها تشكل الأرضية الخصبة للجمال أو لرسم الأحداث التي تمر على المنطقة، مهما تنوعت الإشكاليات في المضمون والأسلوب لتحقيق الهدف الجمالي الذي يصبو اليه الفنان. ليرقى بأعماله الفنية نحو التكامل والخصوصية . إن كان الفن التشكيلي العراقي في جوهره حضارة ناتجة عن تطلعات جمالية، تؤرخ لحقبة تحمل في طياتها مميزات المجتمعات التي أثبتت مكانتها في إيصال إرثها الفني إلى العالم .فإن فهم الحاضر التشكيلي يحتاج إلى رؤية الماضي وثقافاته ومقارباته، لإظهار الانعكاسات والفروقات والمميزات الفنية، وتجلياتهاعلى الأعمال البصرية والجمالية المحاكية للإنسان، وبكل ما انتجته القوى الإنسانية في حقبات تلاقحت فيها الثقافات الفنية ،وأنتجت نوعاً خاصاً من الجماليات المقرونة بالإعلام البصري الفني أو التحولات التشكيلية المحاكية للحواس أو الهندسية المنتفضة على القديم وتلك التي أجرت له تحديثات جمعت في طياتها النظرة الحديثة والمعاصرة، ولمؤثراتها وتحولاتها التي تميل إلى الاكتشافات الثقافية المتعددة، والمتغيرات الفنية في بعدها الإنساني التي تشكل المرتع الخصب والأساسي للفنان،وما تثيره تلك الانطباعات على واقعه المتخيل أو انطباعاته التي تمثل سائر صنوف الوقائع الحياتية، وما تنتجه كل حقبة زمنية من أعمال تضعنا أمام جمالية خاصة لها قوتها وضعفها ومميزاتها الثقافية،وإن ضمن الفن التشكيلي المؤدي إلى فهم المرحلة التي يعيش فيها الفنان أو المهندس أو العمل الفني بحد ذاته من مفاهيمي أو تركيبي وسوى ذلك. فهل يمكن محو الأسماء التي عالجت واستقرت في حقبة ما زالت تجسد للعراق بؤرة جمالية تاريخية لا يمكن إزالتها خاصة، وإن بدأت المتاحف الإلكترونية تزحف أيضاً، وتحقق عددا كبيرا من المهتمين بالفنون بشكل عام.

إن العامل الأساسي لمحاولة الفهم الحاضر للمنطقة هو قراءة اللوحات التشكيلية والنصب التذكارية في فترة زمنية من الماضي حتى الآن. لتكوين صورة الحاضر الذي ينطلق بنا نحو الأسماء العراقية التي تكونت في الخارج مثل الفنانة العراقية والمهندسة العالمية" زها حديد " التي جعلت من النظرة المعمارية تحديثية في تطلعاتها المنتفضة على الإرث المعماري القديم، فمؤازرة الابتكارات القديمة التي تمسك بها الفنان والمعماري" معاذ الألوسي" منحت للوجود العراقي نفحة تراثية أصيلة. وبتناقض مع رؤية الفنانة "زها حديد " التي قامت بتحديث معماري منحته فضاءات تخيلية استطاعت تحقيقها، وتعزيزها والانتقال بها نحو الفن الهندسي المرتبط بالليونه البارزة في أعمالها، والتي توحي بالانتفاضات المعمارية ،وانعكاساتها في إيحاءات كثيرة لو تم تحليلها لوجدنا أنها ابنة الشرق فنياً في الحركة والتطوير،والليونة المعمارية ذات الثقل في المعايير والمقاييس، والجماليات الخلاقة المتعددة النواحي في بعدها البصري والهندسي، مما يعكس هوية الفن العراقي وقيمة انعكاساته على الأعمال الهندسية الخارجية التي وإن اختلفت معه إلا أنها تتوافق معه بالبنية والنسيج التصميمي. ليكون بمثابة الأثر الحضاري التي تنتجه حقبة زمنية حملت العراق نحو العالمية في المعمار والهندسة، ولا يمكن هنا إنكار مخيلة وذوقية الفنان" معاذ الألوسي" في الهندسة والمعمار الشرقي الذي يزدان بروحية المجتمعات العراقية في كل منطقة، لنشهد على ثقافاته وسائر صنوف الأشكال من الجماليات التي تقترن بالشكل والمضمون، والبيوت الحديثة المحاكية للقديم. وإن بتطوير حداثي يقودنا نحو الوعي الفني العراقي في خلق التمازج بين الحضارات الفنية ، والإرث القادر على تنمية الثقافة الفنية بشكل عام ، والتشكيلية بشكل خاص التي تجعلنا من القادرين على الاستدامة لحفظ التاريخ الفني منذ ولادته مع النقش على الحجر والنحت وصولاً إلى الفن المعماري القديم والحديث. فهل من ذاكرة تاريخية تمثل الخزان الأساسي لحفظ الهوية الجمالية الممتدة من الماضي وصولا إلى مستقبل يبشر بانقلابات فنية متمسكة بأسس الحضارات القديمة وديناميكية تطويره، لتتماشى مع روح العصر كما فعلت المهندسة والفنانة "زها حديد" خارج وطنها الأم وقلبت موازين الفن المعماري الهندسي الذي نشأت عليه وغربلته، ليصبح تحديثياً قادراً على الوصول إلى العالمية أو كما هي الحال مع نظرة الفنان والمهندس "معاذ الألوسي" وانتقاداته لفن العمارة الحالي الذي بدأ يأخذ منحى تجاري بحت بعيداً عن حضارة وادي الرافدين الذي يتمسك به، وجعله هويته العراقية ماسحاً شوائب الفن المعاصر بالفن نفسه، ليداوي تغيرات العصر بالعودة إلى الماضي في الحاضر وبجمالية لا يمكن إنكارها.

إن البحث في الفن التشكيلي العراقي يحتاج لمتاحف بصرية متنقلة لفهم كل مرحلة استطاعت نقل ثقافتها لمرحلة أخرى، فمنذ نشأته حتى اليوم احتفظ بالهوية المميزة لهذا البلد العريق الذي عاش فترات متنوعة من الحصار والحروب،ومن فترات شكّلت انطلاقة للكثير من الأعمال التي ما زالت بمثابة الشاهد على العصر. مما ساعد في تنشيط وتغذية مخيلة الفنان العراقي، لينتج فناً يحتفظ بالكثير من معالم هذا البلد الذي يختزن في أسماء فنانيه جماليات لكل منها بصمتها التي توازي كبرى المعالم العالمية. إن من حيث المعايير والمقاييس والنسب الذهبية أو من حيث المضمون والشكل المحتفظ بتراثيات وأفكار رياضية هندسية اشتهر بها العراق منذ القدم حتى الآن . مما سمح بتوحد الرمز التحولي عربياً،وعالمياً للفن التشكيلي العراقي، وبمميزات مذهلة في الرؤى الحديثة، وحتى لأرشفة الأحداث. إن فوتوغرافياً من الفنان "عبدالكريم يوسف تبوني " الذي استطاع استخدام العدسة الفوتوغرافية بفطرة وعفوية أدخلته إلى عالم الصورة الأولى عربياً، وهو العراقي الكلداني من أهالي البصرة، لتومض الملامح الأصيلة فيما بعد من التصوير الفوتوغرافي وما استطاع أرشفته كخزان جمالي لإرث تصويري لا يمكن إنكاره ، وصولا إلى الفنان " مصطفى حمد" الذي يعيش خارج العراق وحصل على العديد من الجوائز العالمية على تصوير حداثي التقط من خلاله صورا لإحدى المناطق الجبلية في شمال العراق برغم أنه في الخارج إلا أنه أظهر للعراق الوفاء الفني لالتقاطات تصويرية أبهرت الآخرين وجعلتهم يمنحونه عدة جوائز أو حتى عبر الرسم على الجدران والجداريات .مثل أهم اللوحات والجداريات الكبرى التي تزين مراكز الأمم المتحدة واليونيسكو واليونسيف وسواها.

تشكل السيرة الزمنية للأعمال الفنية المنحى الرئيسي للموضوعات التي يتناولها كل فنان أو تلك التي يخلع عليها المؤثرات الحياتية التي تطرأ على مرحلة معيشية. ربما تهزها الحرب، وربما يهزها الجمال المرتبط بالموضوعات الحامية التي تستند على الحدث الساخن المولد للافكار.إذ يشكل انفصال الداخل عن الخارج في الفن العراقي تناقضات جعلت لأكثر الأسماء ميزة خاصة مثل الفنان "ضياء العزاوي" وهو من خلال الذين غردوا في أسراب أخرى. إلا أنه استطاع الاحتفاظ بالتراث العربي من حيث الرؤية التشكيلية المتمسكة بالقضايا التي تشكل الحدث الأقوى مثل لوحة " صبرا وشاتيلا "وجدارية "مهمة الدمار" بخطوطها المائلة والمستقيمة ، التي تشكل في تطلعاتها نوعا من دائرية الشر،وعتمته في إبراز العمى البصري الذي يعاني منه أعداء الوطن العربي، وبمقدرة تشكيلية فنية ذات مقاييس تتناقض معها الألوان التي طمسها في معالم الوجوه الكرتونية أو تلك المحفزة على الاستهزاء بالعقول من خلال حروبهم الكوميدية السوداء، وإن من خلال الأسلوب السهل الممتنع . فهل يمكن إنكار الوطن والتعلق بالقشور الفنية والجمالية في بلد أنجبت للفن التشكيلي والمعماري جهابذة لكل منهم اتجاهاته ومدرسته وأعماله المحفورة في كبرى المعارض إن بالداخل أو الخارج ؟.

إن الثقافة الفنية التشكيلية لا تنفصل بين الداخل والخارج وإن اختلفت في الرؤى والاتجاهات. إلا أنها لم تنكر عراقيتها ،ولا يمكن أن تكون حالة منفردة عن تقاليد الوطن واتجاهات التخلف أو الحضارة،والنسق المعمارية التي تتجذر من تواريخ تتمسك فيها البلاد التي أنتجتها على مرّ التاريخ .فالهوية الفنية حضارة لا يمكن أن تندثر،ولا حتى أن تنمحق مع السياسات التي تمر.فتستحدث تياراتها الفنية الخاصة، لأن الفن في كل مرحلة يحمل من مكونات المجتمعات ما يجعله بارزاً ومحاطاً بجمالية نسترجع من خلالها التاريخ الثقافي بأكمله، وبصرف النظر عن مدى أهمية أعمال الفنانة والنحاته المهندسة " زها حديد " أو أعمال الفنان والمهندس المعماري "معاذ الألوسي" إلا أن لكل منهما تضاده مع الآخر.لأن ما تحمله أعمال الفنانة" زها حديد " من انطباع شرقي رغم الحداثة في أسلوبها وابتعادها عن القديم والتراثي هو ميزة تحديثية في جوهرها هويتها الخاصة. إلا أنها تحمل في ثنايا كل تصميم قدمته روحها العراقية والعاطفة العقلانية التي تبرز في ليونة المنحنيات في أعمالها ما يجعلها تحتفظ بمناخات إبداعية حولت من خلالها تصاميمها إلى ما تحاكي به العالم وليس العراق فقط .

أما المهندس والفنان "معاذ الألوسي " فللتراث معه حكاية كبرى متعلقة بالإرث الحضاري المعماري في العراق، وهو من تعلق في رمزية البيوت العراقية ونصبها التذكارية، ليمجد الفنان العراقي بغض النظر عن تبعيته السياسة، ولينشىء للفن نظرة مجيدة يحاول من خلالها الاحتفاظ بالهوية العراقية ضمن تحديثات مدروسة تستهوي القلوب والفكر الفني المرتبط بالعمل الدؤوب على إبراز جماليات الأبنية التراثية في العراق التي يشعر الإنسان من خلالها بأمجاده الوطنية المحافظة على أعمال كل فنان حفر بعمله الفني وجوده العراقي. ليبقى حاضراً جمالياً في زوايا فنية ذات دفق شعوري، ومستويات فنية تبرز في الرموز الفنية التشكيلية الراقية وأبعادها التاريخية التي تزين بوابات أهم المؤسسات العالمية والدولية، التي تعتبر بحق من الأمور الفنية الاسترتيجية التي تخلق عباراتها الكثير من الجمال المتوالد في أعمال هؤلاء الذين تساند أعمالهم فاعلية الابتكارات الخالدة ، وجدلية وجودها لارتباطها بالجمال الفني المؤدي إلى إيجابيات وسلبيات النظريات العامة والخاصة، وأنماط التعبير الوطني وأبعاده السوسيولوجية التي صيغت بأدوات الفن وسردية التاريخ الوجودي. لملامسة عالم الواقع والمتخيل من خلال تغذية البصر بالأعمال الفنية التي تزين الجداريات وأبواب المؤسسات والأماكن الثقافية والعلمية وغيرها . فهل يمكن إزالة أي نصب فني يخاطب الآخرين بحضارة العراق المشهود لها بالفضاءات الإبداعية منذ الأزل أو بالأحرى منذ برج بابل والأعمال الأثرية التي وجدت فيه وتشكل الخزان الأساسي لهذا البلد العريق؟

شهدت الفترة الحالية في العراق الكثير من التحديثات التشكيلية التي تشابكت مع الموروثات الفنية، والبقايا من المنحوتات أو النصب التذكارية التي تشكل ثورة في عالم المقاييس النحتية القادرة على خلق الآلاف من الأعمال الهندسية أو المعمارية القائمة على أسس هذه الأعمال الجمالية واتجاهاتها الفنية التي تحتفظ بالنظرة الرياضية والمعمارية في آن. إذ تجسد أبعاد مساحاتها قوة بصرية توحي بالكثير من الأعمال الفنية التي تولد من لبّ الفراغات في هذه النصب التذكارية، كنصب الحرية في الباب الشرقي ببغداد . وهو من أكبر الأنصاب في العالم للفنان "جواد سليم" وهو يحكي قصة الشعب العراقي والسجون والفقر حتى انتفاضة الجيش عام 1958. فهل من خسارة وطنية في الحروب سوى خسارة التراث الفني ،وما يشكله من رؤية تحمل التاريخ في جعبتها وتتركه يتأرجح بين الجمال وقوة الحدث في نظر الفنان وأعماله؟.

Doha El Mol