الإنسان ذلك المجهول
ضحى عبدالرؤوف المل
تندفع التعابير التفكيرية إلى البحث في كل معنى مختبئ بين طيات كتاب" الإنسان ذلك المجهول" للمؤلف الكسيس كاريل. ترجمة عادل شفيق. إذ يستدرج القارئ إلى نقطة الوسط، حيث تتمكن من الاستبصار في تحليلاته المبنية على علم ومعرفة وتدقيق، وبتطور اعتباطي شبيه بجملته التي يعتمد عليها في بناء نظرياته التي بدأت من الكل نحو الجزء، ليشرح المبادئ المعتمد عليها بسلاسة فكرية تتوسط فيها المفاهيم المعرفية والعلمية، حتى السلوكية للإنسان الذي استطاع الانتقال معه وبه، من مرحلة إلى مرحلة، لكن دون الاهتمام كما ينبغي بالجسم الإنساني وعلومه الحياتية، إن يتطور لمصلحة الإنسان، وبعمق فكري و نقدي، فلو أن جاليلو أو نيوتن أو لافوازيه وجهوا قواهم العقلية نحو دراسة الجسم والوجدان لكان من المحتمل أن يختلف عالمنا عما هو عليه الآن." فهل يحاول اليكسس كاريل اكتشاف الجسم الإنساني الأثيري غير المرئي ليحصل على أجوبة يثيرها الوجدان، ولا نعرف حتى الآن كيف يحدث هذا، أو كيف يضعنا أمام المشاعر التي تدفع بنا نحو الشعر أو الأدب أو حتى نحو الحب والكره وغير ذلك؟
نحرم أنفسنا من ضرورات الحياة التي تمنحنا الجمال والراحة النفسية والوجدانية والعقلية، بدون مبررات مفيدة، إذ يبدو حسب تحليلات اليكس كاريل ميل الإنسان نحو التفكير المادي في الحياة، ليختصر من المادة، ويمنح المادة نفسها طموحاته التي لا حدود لها، حيث تتسع أبعاد أنانيته الطامحة إلى الكسب السريع مندفعا بذلك نحو الحياة التي تدر له الترف، وبعصرنة نقبل منها السكن في ناطحات السحاب التي تبنى لتوفير القيمة المكانية والمالية للأبنية الحديثة، بينما يستطيع الإنسان التحرر من كل هذا للبحث الفعلي في قيمته إنسانا قبل أن يؤمن بتسخير كل ما حوله لخدمة راحته دون التفكير في حياته التي يخسر منها البيئة الصحية المساعدة في الحفاظ على الإنسان" وهكذا يتضح أن من خططوا هذه المدن لم يقيموا وزنا لخير سكانها" فهل يلقي الضوء على المؤثرات البيئية وأضرارها على الإنسان، ونحن ندرك هذا بوعي راسخ مع كل هذه الملموسات التي يضعها أمامنا بأسلوب تبسيطي يثير بالقارئ التوغل أكثر في كتابه، لنفهم معادلته النهائية التي يريد تقديمها في هذا الكتاب .
هل نتدهور نحو الانحطاط لما نفعله في طعامنا وشرابنا وحياتنا الآخذة برسم مصير إنساني نراه بالتفكر والرؤية المتسعة ؟ إن ما يقوله أليكس كاريل بسيط بساطة المنطق الذي يتحاور معه القارئ، ضمن الحقائق التي يعيش معها الإنسان، ويتعايش معها دون الاهتمام بوجوده الحقيقي الذي هو أسمى من كل ما يفعله لتوفير المال، أو لجني الأرباح دون الاهتمام بالمصير المعاكس مشيرا بذلك إلى مساوئ الدعايات الإعلانية، وما تبتغيه من تسويق لا يهتم لصحة الإنسان، إنما لجني الأرباح الطائلة فقط حتى ولو على حساب ما يؤكل ويسيء للإنسان نفسه، مثال ذلك" لقد أوهمت الدعاية الجمهور أن الخبز الأبيض أفضل من الخبز الأسمر، وهكذا ينخل الدقيق مرة بعد أخرى بدقة ليجرد من عناصره الغذائية النافعة، وعلاج الدقيق على هذا النحو يجعل في الإمكان الاحتفاظ به فترات أطول، ويسهل صناعة الخبز، وبذلك يستطيع أصحاب المطاحن والمخابز أن يحصلوا على نفوذ أكثر، ومن ثم فإن سكان البلاد الذين يتخذون من الخبز غذاء أساسيا آخذون في الانحطاط والتدهور"
أنانية مطلقة في الدوافع المبنية على تيسير خطة الكسب المادي، وجشع أصحاب العقول، أو كما يقول اليكس كاريل:" إن شراهة الأفراد الذين وهبوا ذكاء كافيا يمكنهم من خلق تهافت الجمهور على طلب السلع التي لديهم." وهذا يضعنا أمام تساؤلات ترتكز على الإنسان ومعلوماته غير الكاملة التي تحتاج إلى البحث والتحليل والاستنتاج، ليرفع من قيمته الإنسانية، وبالتالي ليحافظ على وجوده كفرد سليم معافى يعيش الحياة كما ينبغي، فهل نستطيع الوصول إلى هذه المفاهيم التي تحتاج إلى عمل دؤوب وسعي يحتاج لطاقة قصوى ومجهود جبار من الفرد والجماعة، ليرتقي الإنسان نحو ذاته، أي عالمه الداخلي قبل الخارجي، وهنا يحتاج القارئ إلى العودة لبداية الكتاب الذي يبحث عن العالم الداخلي والخارجي، لتتوازن معرفته ويمحو الجهل المعشش فيه ولا سيما أنه امتلك الوقت، واستطاع تغيير أنظمة حياته التي باتت تشكل خطرا عليه معترفا بوجود المجهول كأننا" في قلب دغل سحري لا تكف أشجاره التي لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها ".
تختلف الطبيعة الفكرية من إنسان إلى إنسان آخر، كما تختلف بصمات اليد والعين في الحس والبصر والتميز" فإن الإنسان سيظل غير قابل للرؤيا" وما هو خارج مملكة العقل يبقى غامضا مبهما، لأنه لا يوجد شيء بوضوح و" كلما ازداد سمو الأخصائي في فنه ازدادت خطورته" فالفكر والتفكر ركيزة الإنسان بل هو ركيزة انطلاقته نحو المعرفة ومن ثم العلم، إذ "لا يوجد إلا أشخاص قلائل جدا يستطيعون اكتساب معلومات نافعة في عدة علوم مختلفة ويحسنون استخدامها" وهذا يؤكد أن ما من اختصاصي علمي يكتمل دون المعرفة بالخصائص المختلفة من العلوم كافة، حتى الفن والأدب، لتنضج العقول وتكتسب قيمة" إدراك أهمية الأجزاء في النظام الكلي إدراكا كاملا" وفي هذا وقفة تأملية، حيث يدفع الكاتب اليكس كاريل القارئ إلى الإبداع العقلي والاهتمام له من الدولة أو المحيط " لأن الأفراد القلائل الذين وهبت لهم الطبيعة تلك القوى الاستثنائية يعيشون في ظروف تحول بينهم وبين الإبداع العقلي" وفي هذا وضوح فكري يثير تساؤلات تقتضي البحث في نوعيات العقول التي يقول عنها:" العقول المركبة مثل العقول التحليلية ضرورية" لأن" الحياة العصرية تناقض الحياة العقلية" ولأن" العقل الإنساني قادر على حفظ عدد معين فقط من الحقائق، فهل استطاع لمس التفكير الإنساني الذي يصفه بالمجهول أمام كل هذه التحليلات التي يقدمها للقارئ في كتابه "الإنسان ذلك المجهول"؟
يندهش القارئ من سلسلة التحليلات التي تبدأ من درجة الصفر صعودا حتى درجة الصفر نزولا، فالإنسان ذلك المجهول ما من تعريف له، ولكن نظريات وتقارب وتحليلات عقلية متقاربة، لأن وجه الشبه بين الصورة وأصلها يعود إلى اختيار التفاصيل لا إلى أعدادها فطبائع" الإنسان خاضعة لعقله" والعقل تركيبي وتحليلي وواع وغير واع، وهذا ينعكس على الشكل الخارجي للإنسان، لأن دلالات الصفة الخارجية تنعكس على الداخل إذ" في استطاعة كل إنسان أن يطلق على وجهه التعبير الذي يختاره، ولكن لا يستطيع أن يحتفظ بهذا التعبير بصفة دائمة" مما يؤكد على أن الإنسان يحمل في شكله مضمونه، فوجه كل شخص يفصح إفصاحا تاما عن وصف جسمه وروحه" فتحليلاته في هذا الكتاب مبنية علميا على ما هو معرفي، وما هو علمي، لنغوص معه في استكشاف الإنسان، أو بالأحرى استكشاف أنفسنا وتفاصيلها المتعددة بصورها العمرية أو الزمنية التي ترتسم على الجسد أو الوجه عبر المشاعر والحواس والفهم الحياتي لطبائع أنفسنا.
لا تنفصل الأحاسيس الإنسانية عن الوجدان حتى في حالات المرض أو فقدان العقل، إذ يرتبط الجسد بالوجدان ارتباطا كاملا من حيث الحس والإدراك والتفكير معتبرا بذلك أن الجسم والروح هما وجهان لشيء واحد استخلصتهما وسائل مختلفة " لأن مبدأ التناقض الوجودي هو أساس المادة والعقل معا مستنكرا عدم تجانسهما، في حين أنه يوازن بين العقل والحس الأدبي، إذ يمكن تنميته بالتعليم والنظام" فالجمال الأدبي يفوق العلم والفن من حيث إنه أساس الحضارة، لأن الإحساس بالجمال فطرة يولد بها الإنسان، فهو مذ وجد في هذه الدنيا استطاع الإحساس بمواطن الجمال في ذاته وفي الكون .
كتاب الإنسان ذلك المجهول يخترق سراديب الإنسان، ليضيء على مراحل تكويناته، ربما يستطيع بذلك تقديم المعلومات المعرفية، ليؤثر بالبناء الإنساني من خلال ما قدمه من نقاشات منطقية جمالية تتبعها بتأملات وتفكر في الإنسان الذي نجهله، ونعرفه في آن واحد.
Doha El Mol