آخر حدود العالم الممكنة

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "العودة إلى إيثاكا" لايفند يونسن، ترجمة معين الإمام.

نبحر في الحياة نحو المجهول، ونحاول صنع مرساة ثقيلة، لنحاول رميها عند نهاية طريق لم ينفك غموضه، ولكن أنهيناه دون معرفة الزمن، وربما برمزية أو سريالية تجول بنا في عوالم النفس المشابهة لعوالم الحياة، وبتفاعل القوى الداخلية التي أسقطها الروائي ايفند يونسن بتميز سردي جريء في مقدمته الأسطورية التي تعيدنا إلى زمن الآلهة كإله الشمس الرؤوم هيليوس، ضمن عنوان زمني هو عند نهاية السنين، وكأنه يرمز إلى نهاية عالم، وبداية عالم آخر، وبين هذا وذاك حسابات أزمنة لا بد لها من التشابه والتشابك، ولو في جزء منها هي إيحاء واقعي ديناميكي وثقافي في تطلعاته التحليلية لشخوصه الروائية التي يضعها أمامنا بفنية حركية لحرب تدور حيث الجحيم والأبالسة والأشياء الأخرى، فالوصف الحسي يرافقه الوصف المعاصر، وبأسلوب تملؤه الأحاسيس بالغربة حتى على الإنسان نفسه ضمن فترات العمر المختلفة، لأن" الفارق المميز بين انطلاقة شاب في الخامسة والعشرين وهذا الكهل البالغ خمسة وأربعين" يتضح تدريجيا تعمق القارئ في التوغل داخل عالمه التخيلي الملامس للواقع عبر المشاهد الشاعرية للطبيعة وفق انطباعات رسمها بشهقة الجبال، وامتداد بساط العشب في رونق روائي نستنشق منه عبق المشهد من خلال الكلمة.

دائرية، أفقية، مستطيلة، بيضوية، وخطوط لمنحنيات الجسد الأنثوي، وحذر على شكل نتوء، تجاعيد أفقية ،مفردات فنية تفنن ايفند يونسن في حبكها برشاقة أدبية ذات سيناريو جذاب مبني على عنصر الرؤية الحسية ضمن قوة الملاحظة المبهرة التي تثير استكشاف أدق الأشياء في شخوصه الروائية التي تتخذ بتميزها جدلية درامية لا تحتاج إلا لعين الكاميرا، لنراها عبر الأدوار التي تجسد كلماته المؤثرة على الذوق العام عند القارئ، وبفكر استبطاني ينتقل بك من الأسطورة للخيال، للواقع، للتشابه الزمني ضمن مواقف الحياة "ستكون السيدة الأولى، لا بسبب مركزها الاجتماعي فقط ، ولكن أيضا وفوق كل شيء بسبب تأثير ملامحها ، وطريقتها في الجلوس وحركاتها وإشاراتها، ليوحي بالألوهية الجمالية التي تنتقل بالحس من مرحلة إلى مرحلة دون الإدراك بالانسيابية التي يسحبك إليها ايفتد يونسن خلسة وأنت تقرأ بحيث تجد نفسك عند آخر حدود العالم الممكنة التي رسمها بفن روائي إنساني بالدرجة الأولى، وبربط لغوي فني يربط ما بين الصورة الهندسية والانطباعية، والتجريدية والسريالية، ليجمع في رحلته إلى إيثاكا لوحات مفتوحة مع الحفاظ على المعنى الداخلي، وبحساسية توغلنا في رؤيتها للكشف عن ماهيتها حتى النهاية مظهرا براعة الراوي أحيانا عبر تلميحات تمتلك ديناميكية صريحة يتحدى بها ذاته بموضوعية مع القارئ الفذ " الراوي الذي يتمتع بمعرفة أكبر بآلية الحياة، والمطلع على الأمور التافهة وظلالها، ربما يصف المشهد على النحو التالي" فهل يتحدى ايفند يونسن بروايته الاختلافات في كتابة السيناريو الفني أو الدرامي؟ أم أن الرواية تمتلك بمواصفاتها الفنية جمالية القص المعاصر، ولكن ضمن الأسس الروائية السلسة؟

يشع بلون أبيض عبر مرج أخضر، شعرة بنية مع الرمادية، كستنائي، عيناه سوداوان، فتحته السوداء، اعتماد على الألوان في خلق تناقضات يستفيق من خلالها القارئ، أو بالأحرى ليتيقظ القارئ دون أن يبذل جهدا في متابعة القراءة أو الإحساس بالروتين أو أن يتضجر بصحوة صامتة من البداية إلى النهاية، ليمتلك الكاتب لب القارئ، ويستولي ببراعة المشاهد وقوة الوصف، والبناء الموضوعي، والحبكة المشدودة على رواية تستحق أن تكون فيلما سينمائيا مقروءا، ولكن بأسلوب الكلمة المفعمة بالرؤيا التخيلية، فالوقائع التي يريد الإيحاء لها استطاع توجيهها كبحار ممسك بدفة سفينته التي تبحر بثقة في عرض بحر يدرك عمقه، ويحاول النجاة من الغرق فيه بانتقاء كلماته ببراعة فنية تصويرية بليغة في أدائها التخيلي والواقعي، وبتكامل انتقالي من مرحلة إلى مرحلة وبالتدريج الزمني، كأن الرواية امرأة يانعة بلغت مرحلة الشيخوخة بنضارة حافظت فيها على الجمال.

مشاهد وصفية، وتفاعلات تندرج تحت صفات دراماتيكية تتغير عند تغير الرؤية التي يبنيها مع القارئ بفن إقناعي مؤثر، يتأثر ويؤثر بل يتسرب إلى الوجدان عبر تكتيكاته التفاعلية مع الإنسان بشكل عام، وتطلعاته نحو المستقبل، لندخل إلى السياسة بعد عبر إحداثيات محسوبة بدقة روائية تدهش القارئ الذي بدأ بمفاهيم جمالية فنية، ووصل إلى وسط بحر من متغايرات وضعته في مواجهة تحليلية سياسية اتخذت منحى أدبيا مختلفا " أخذت بالقوة تبعا للغة السياسية التي استخدماها" وبمفردات دخل بها الأجواء باختلاف مبني على قوة الموضوع الذي أراد إيصاله إلى القارئ "التاريخ لا يقول شيئا سوى أن الذي أمر بتلاوة الملحمة البطولية هذه ترديد أغنية المحاربين تلك، قد أنشدها في الواقع بصوت عال إلى حد جعل ذريته ومستمعيه يحفظونها عن ظهر قلب، ويورثونها إلى الأجيال التالية" فالهدف هو توارث الأجيال للماضي، وبصفة دائرية زمنية بدأ من المقدمة وحساباتها الدقيقة للدخول من الأسطورة إلى الواقع المرير مرورا بمتخيلات جمالية ذات مسار روائي حركي أبدع ايفند يونسن في تدويره بحركة زمنية حسابية معاصرة.

رواية زمنية ذات أمكنة متعددة، وكأنك على متن التيتانيك، وبرمزية الحياة التي يحياها الإنسان على مر العصور، وبنمطية تتشابه في الأحداث دائما، ضمن الحروب والصراعات المتكررة التي لا تنتهي، ولا نعرف أسبابها، أو لماذا الإنسان دائم التفكير بالحروب، ولا يستطيع العيش بسلام "حسب أغاممنون أنه كان يقاتل في سبيل شرفه، وجيشه، وأسطوله، لكنه في الجوهر أراد التحرك على الإيقاعات العسكرية لعقد صفقات الموت والدمار والخراب، بحيث يتوافق الواقع الخارجي مع حالته الجوانية" فهل الحروب هي نزعة إنسانية تنبع من الداخل الذي يفور بالمعتقدات المختلفة التي تشبه البحر في تكسر أمواجه وتلاطمها؟ أم أن ايفند يونسن أراد التأكيد للقارئ أن الحروب البشرية ستدوم إلى آخر الزمن الغامض الذي يتابعه الإنسان عبر أجياله القادمة، فهل في تطلعاته نظرة مستقبلية للزمن المملوء بالصراعات التي لا يمكن تجنبها مهما حاولنا؟

طروادة السابقة واللاحقة، والتضحيات الوطنية التي تعيد إلى الذاكرة حروبا كثيرة أشهرها هيروشيما والمذابح الشبيهة بطروادة مع الاحتفاظ بالإلياذة وهوميروس وصراع الآلهة، والأساطير اليونانية والملاحم وعصر الجريمة السياسية بحداثته وتطوره عن الماضي البعيد الذي ما يزال الإنسان يحتفظ بوقائعها تاريخيا، وضمن ذاكرة الحضارات ونمطية الأحداث السياسية المتتابعة عبر فصوله الروائية المعنونة تبعا للموضوع الإيحائي الذي يتلاعب به، وكأنه يجمع خيوط القصص والمشاهد في بوتقة روائية مشدودة لبعضها ولا سيما في فصل عنوانه" حبك الخيط" فمن هي التي قاتلت في سبيل حريتها المرأة طروادة أم أثينا أم غيرها من الآلهة التي جذبتنا في أساطيرها نحو الحقيقة؟

رواية كحبك الخيط الذي تحدث عنه في فصل روائي تنوعت فيه الحكايا على ألسن شخوصه، فما بين حبك ونسج وقع القارئ في المعاني الفكرية الممتلئة بالحكمة والرؤية الحياتية" كانت عملية طويلة من الناحيتين الجسدية والذهنية "مع الاحتفاظ بترنيماته التي تصغي إليها بنشوة حرف لا بد أن يقيدك بالذكريات التاريخية التي لا يمكن للقارئ الهروب منها.

Doha El Mol