الفهم والتعبير في دُق ..دُق لشيرين سبانخ
ضحى عبدالرؤوف المل
تجذب الكاتبة “شيرين سبانخ “ حواس الطفل إلى عمق القصة التي تكتبها، وفق مهارة جذب الانتباه من خلال الحواس نحو متناقضات تسمح بتكوين فروقات، يستفيد منها الطفل لفهم ما يحيط به، بشكل بسيط وهو شرط أساسي للتعلم عند الطفل تحت مفهوم جعلته رئيسياً تحت عنوان خاص “ التكييف مع الظروف، تقبل الاختلاف” وفي هذا نوع من الاستدراك لأجل المتعة والفهم معاً ، في لحظات تشاركية هي نوع من تطوير لمدارك الطفل ، ولقدرته على تطوير الخيال والربط بين الشىء وما يتناسب معه. أو بين الشىء وضده كالخريف الأصفر ويميناً ويساراً وفتح وأغلق، وغير ذلك من المفردات التي وجهتها نحو المفاهيم الأساسية في الحياة، التي تُساعد في تطوير الحواس والانتباه لها . إضافة إلى المشاعر المتنوعة التي يستقطبها بطل قصتها “دق..دق “ بعيداً عن المخاوف التي تطرأ على الحواس بسبب اختلاف الأحجام بينه وبين الزائر الجديد لغرفته ،والتي تساعد في تبديد مخاوف الطفل من كل شىء جديد . للتقليل من رفض الواقع وتقبل التعايش مع الآخر مهما اختلف في الشكل والحجم واللون للتمكين من مواجهة الاختلافات من خلال مغامرة تفاعلية جمعت فيها الكثير من المتناقضات والمفردات الخاصة بحواس الطفل ، وفق أسلوب نغمي بدأ من العنوان “دُق...دُق” فهل استطاعت فهم مشاعر الطفل بمختلف فئاته العمرية؟ أم هي نوع من تبديد المخاوف لصعوبات سيواجهها الطفل من خلال الاختلاف والائتلاف مع الآخرين ممن يحيطون بنا؟
تُشكل قصص الأطفال المحبوكة ذهنياً وفق عدة مهارات كالتي أدركتها الكاتبة “ شيرين سبانخ” في قصتها “دٌق ...دُق” الصادرة عن دار “ هاشيت أنطوان “نوعاً من فتح التصورات الذهنية على واقع أكثر مماهو خيال ، فالخريف هو فصل يزورنا كل عام، وصوت قطرات الماء والانتباه لمفهوم الصوت وأهميته في معرفة الأشياء قبل رؤيتها، وفروقات الألوان بين الأصفر والأحمر والألوان الأخرى . أضف إلى قبول الأطفال مشكلة فقدان السمع، واستخدام سماعة الأذن . وتقبل المحيط لفكرة الإعاقة السمعية بإسلوب ثانوي، لحالة قد لا ينتبه لها الطفل السليم . إلا أنها موجودة من حوله ، وتقبّل الآخر من خلال التصورات في هذه القصة هو نوع من الاستكشاف للحواس وأهميتها والعناية بها . بل حتى التنبيه لوجودها من خلال القصص التي تُساعد في تنمية المعرفة من خلال شخصية بطل القصة هذا. لتحفيز الأفعال التي يقوم بها الطفل، وقد تجابه بالمنع أو القبول عند الأهل من منظور التقبل للاختلاف، وطريقة فهم تصرفات الأهل مع الطفل، التي قد تجابه بالقبول أو الرفض من الطفل الذي يستنكر التكيف مع الظروف الحياتية التي قد يتعرض لها فجأة خاصة في الوطن العربي. فهل تُساعد قصة دُق ..دُق الطفل على الاندماج في المجتمع بشكل تتنوع فيه الفروقات بين طفل وآخر؟ أم هو نوع من تحفيز المُخيلة وإثارة الفضول لاكتشاف فروقات الآخرين من حولنا والتعايش معها؟
تُفكك “شيرين سبانخ” في قصصها الموجهة للطفل العقد الأكثر صعوبة في حياة الطفل، وهي التعرف على الآخرين الذي يُشكل الكثير من المخاوف عند الطفل الذي يعيش وحيداً في المنزل أكثر من غيره، وعند أصحاب الإعاقة من الأطفال. لتوسيع الأفق التخيلي، وتوجيه الهدف نحو قبول الآخر بمختلف فروقاته . لفهم المُحيط الاجتماعي بشكل أوسع ، وللدخول في بيئة مواتية للتعايش بشكل مرضي للطفل قبل سواه بطمأنينية تجعله يرى، ويسمع، ويحلل، ولا يخاف من ردة فعل الآخرين..
وفي حوار مع الكاتبة شيرين سبانخ لـ«اللواء» تقول : أؤمن بأهمية تشجيع الأطفال على الإبداع والتفكير النقدي.
في قصة «دُق دُق»، استُخدمت الكاتبة الخيال بشكل كبير لتطوير شخصيات الأطفال، وتحفيز مهاراتهم بشكل عام. شخصية الزائر الصغير والكيس الغامض منتجين للخيال، تم توظيفهم بالقصة لتحفيز الأطفال على التفكير خارج الصندوق. الأطفال لديهم القدرة على تخيّل الشخصيات والأحداث غير التقليدية والتفاعل معها. لنلقِ نظرة على الكيس الغامض: الكيس الذي حمله الزائر الصغير هو عنصر يثير الفضول ويحفّز الخيال. يمثل الكيس مصدر للتساؤلات والاستكشاف. الأطفال يمكن أن يتخيّلوا محتوى الكيس ويختاروا القصص والمغامرات التي يمكن أن تكون مخبأًة به. وعندما تختفي الأصوات داخل الكيس، يمثل هذا تحفيزاً للأطفال لاستخدام خيالهم والبحث عن حلاً بما يرونه مناسباً. هذا التفكير الإبداعي يشجع الأطفال على فتح أذهانهم لتجارب جديدة ومختلفة، وعلى استخدام الخيال لحل المشكلات وتقبّل المتغيّرات. ومع الكاتبة شيرين سبانخ أجريت هذا الحوار:
- في هذه القصة، تُظهر التركيبة بين التكيّف مع الظروف وتقبّل الاختلاف بجمالية الحواس في الإنسان من خلال تجربة الشخصية الرئيسية «نزار». الشخصية الرئيسية تجسّد قدرة الإنسان على توظيف حواسه ومشاعره للتكيّف والتفاعل مع الأمور غير المألوفة والغامضة، مما يعزز فهمها للعالم وتطوير مهاراتها. على سبيل المثال، عندما اكتشف نزار الزائر الصغير الذي كان يحمل كيساً غامضاً يجلس على شباك الغرفة، لم يرفض نزار هذا الاختلاف غير المعتاد، بل قام بفتح الشباك للتفاهم مع هذا الزائر الغريب. القصة تسلّط الضوء على كيفية استغلال الخيال والإبداع لتطوير الفهم والتعايش مع التحديات والتنوع في العالم.
باختصار، تشجع القصة «دُق دُق» الأطفال على استكشاف المفاهيم المتناقضة، وتعزز قدرتهم على تحليلها والتفكير بشكل نقدي وإبداعي. مفهوم الأعلى والأسفل: عندما تراقب الشخصية الرئيسية الرجل الصغير يجلس على الحنفية في الحمام، تكون هذه مفهوماً متناقضاً، حيث يُفترض أن الحنفية تكون مكاناً منخفضاً في المنزل، لكن الرجل الصغير يصعد ويجلس عليها كالعنكبوت في الأعلى. هذا يمكّن للأطفال من فهم أنه يمكن النظر إلى نفس الأمور من منظور مختلف وكيفية التعامل مع المفاهيم المتناقضة بذكاء. مفهوم اليمين واليسار: عندما تبحث الشخصية الرئيسية عن مصدر الأصوات الغامضة الآتية من الشباك تنظر إلى اليمين واليسار ولكن تجدها خالية، ثم تنظر للأعلى والأسفل، هذا يعكس مفهوم الاتجاهات المتناقضة. يتعلم الأطفال من هذا المثال كيف يمكن لنفس المكان أن يظهر بشكل مختلف اعتماداً على زاوية النظر، وهذا يشجع على تطوير قدرتهم على البحث عن الحقيقة والتحليل من زوايا متعددة.
كمؤلفة لقصص الأطفال، أؤمن بأهمية تشجيع الأطفال على الإبداع والتفكير النقدي. إن خلق قصة غير مألوفة وشخصيات تتميّز بسحرها وفرادتها يمكن أن يشكّل تحدّياً كبيراً. لكن، عندما نقدّم للأطفال قصة تحمل رسالة حول التكيّف وتقبّل الاختلاف، نحاول توجيههم نحو الفهم العميق لهذه القيم والتحفيز على تجربة العالم بأساليب متعددة، من خلال استخدام الخيال وإبداع الشخصيات مثل الزائر الصغير والكيس الغامض في قصة «دُق دُق»، نساعد الأطفال على تطوير مهاراتهم وبصمتهم التخيّلية. يمكن للأطفال أن يتأملوا في هذه القصة ويعيشوا تجربة الشخصية الرئيسية وتفاعلاتها مع العناصر الخيالية. كما يمكن أن يكون هذا تحفيزاً لهم للتحدث بأصواتهم الخاصة والتعبير عن أفكارهم بشكل إبداعي.
أشعر أنني حاولت تقديم شيء مختلف ومميّز في قصص الأطفال. عندما كتبت قصة «دُق دُق»، سعيت لاستخدام البساطة في اللغة والأحداث لخلق تأثير قوي. ركّزت على تشجيع الأطفال على ملاحظة التفاصيل في حياتهم اليومية واستكشاف حواسهم المختلفة والتفاعل مع العالم بطرق جديدة وإيجابية. أمل أن تمثل القصة شكلاً من الأدب الطفولي يسعى لنقل رسالة إيجابية حول التكيّف والتفكير الإبداعي.
بالطبع، هذا هو هدفي كمؤلفة، وأطمح أن تكون هذه القصة رسالة محبة تلهم الأطفال وتساعدهم على تطوير مهاراتهم وفهم العالم بشكل مختلف وممتع.
Doha El Mol