ساعتي هي حركة الشمس

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في رواية "مومس بالمذكر" للروائي فارس خشان.

مقارنة نورسية تحمل بعدا رمزيا في رواية مغموسة بواقع نتكاثر فيه، وتكثر فيه الظنون والشكوك والأوجاع واللهث خلف مقومات حياة لا نحتاج منها إلا كل ما هو بسيط، وباختزال للكثير من الكماليات التي تتسبب بالصراعات وبالحروب، لتحقيق الذات ولتضخيم الإنسان، وما هو إلا فرد من مجتمع كبير، أو نقطة في محيط لا ندرك اتساعه أو أعماقه، فمن منا يقتنع أن حياته كلها يوم واحد؟.

فلسفة وجودية يطرح من خلالها الروائي فارس خشان تساؤلات كثيرة بلغة روائية ذات حبكة تدفع القارئ نحو متاهات الحياة والتيه السياسي غير القادر على بناء الحقيقة، أو التوهم المبني على تخيلات كالسراب، وتفكر يعيد الأجوبة الصحيحة إلى مكانها من خلال إقناع القارئ بالرؤية المكبرة للأشياء كالحوار مع النورس وسمير، وما يحمله من معان مغلفة بتبطين رمزي له سياسته وفعلته وأدبه القائم على الحدث الماضي والحاضر والمشهد وتحليلاته مع الاحتفاظ بالرؤية الذاتية التي ينطلق منها الروائي نحو المحظور والمباح، والتقديم والتأخير والحياة والموت، والتوازن المتناقض" ولكن اهتمامه بالحوار مع النورس كان الجزء الوحيد منه الذي لا يزال متأهبا." فهل اعتمد الخشان على التحليلات السياسية في بناء روايته" مومس بالمذكر؟"

أضاف فارس الخشان كلمة أيضا إلى العنوان للإيحاء بالمعاودة والتكرار لمعنى حياتي دائما متجدد بوجوده الأزلي لتحرير الأنفس من ثقافة عاهرات أشار إليها في كتابها كثقافة يصعب نزعها أو بترها أو حتى نسيانها باعتبارها حالة استسلام أمام وباء الطمع مكتفيا بالإشارة إلى عقلهن التافه أمام طمعهن الجامح محاولا إنقاذ الفكرة السياسية في رواية تطرح الأفكار لتكوين التحليلات المتعافية من كل سموم قد ترتبط بانعكاسات لشيء آخر، أو لتجميع الخيوط الأساسية من قبل القارئ الذي يتبع الكلمات أو المفردات المرتبطة بالمومس بكل معانيها الحياتية التي تبتعد كلما اقترب منها القارئ، ليراها في كل شيء اجتماعي أو سياسي أو عاطفي أو في كل ما من شأنه أن يعشش في معنى مومس بالمذكر أو المؤنث أو حتى المتذبذبة بين كل منهما كذلك الرجل الذي" كل يوم يخبرها عن صيده، ولكنها لم تضبطه يوما يأكل سمكا." فالمومس بالمذكر هي العقيم التي لا تنتج إلا الأقوال دون الأفعال، لتبقى بلغة المذكر دون مستقبل تدخل فيه الكلمات إلى القواميس، لنفهم ما وراءها بأسلوب غامض وبنوع سريالي له مفاهيمه الواقعية الناتجة عن وقائع سياسية تأثر بها الخشان، ثم ترجمها إلى عمل روائي تميز بالحوارات الغنية بالتشويق الذي يدفع القارئ إلى قراءة المزيد.

"نحن على هذا اليخت جميعنا شركاء، ولكن بمهمات مختلفة ، ووظائف متعددة" تبدو المدينة الفاضلة معكوسة لأنها محملة بعناوين الحياة المختلفة وإن كانت الحياة تشبه اليوم الواحد بتفاصيله في رواية جدلية تتباين فيها مواطن الضعف والقوة عند الإنسان ، مما يفسح المجال أمام الأسلوب الروائي الذي اتبعه الخشان إلى فتح حوارات غنية بالمناقشات الديناميكية القادرة على تبطين الرؤية ومحاولات اكتشاف الجوهر، لتكون المشاهد الحوارية جزءا من كينونة الحدث الذي يترك للقارئ رؤيته بسلاسة، إذ يناقش الخشان في روايته الأفكار السياسية محولا أهميتها إلى الحياة الواحدة التي تكرر نفسها بأحداثها ومواقفها المتشابهة مع تبيان مواطن العلل التي تصيبها آفات الصراع وجدليته لاستجلاء الحدث وقضاياه التي ترتكز على الإنسان المستعبد اللاهث خلف السلطة والمال مع تخفيف سردي وفتح الحوارات ذات المنحى الفلسفي والحدث السياسي والمعالجة الروائية، أو بالأصح الفنية من حيث بناء الصورة الروائية المخاطبة لذهنية القارئ والمثيرة لوجدانه.

قضايا كثيرة طرحها الخشان في روايته عالم المال والسلطة والاستثمارات والأرباح المالية والتهرب من الضرائب وممارسة الشهوات بأسلوب مادي بحت يعتمد على تغيرات وتطلعات نحو المناصب العليا دون الاهتمام بالأخلاقيات والمبادئ الإنسانية، فشخوص روايته قد تتحول الصداقات بينها إلى عداوة كبيرة وخصومات لا تنتهي إلا بخسارات فادحة " ووفق تقارير هؤلاء فإن وجيه لم يجمع ثروته عن طريق مستقيمة، فهو استعمل الحيلة هنا والخيانة هناك وبضائع غير مشروعة هنالك مما مكنه من مجرد شريك صغير في شركة خدمات إلى مالك لها ولعشرات مثلها. فالرواية ترتكز على قصص هؤلاء، وغالبا بارتباط سياسي ذي توجهات مختلفة وبخصوصية رجال الأعمال وعوالمهم التي تزج الفكر في القضايا الإنسانية التي يطرحها عبر فصول تحمل عناوينها تحفيزات للدخول فيها كما الصياد والمومس في عنوان ترك لحرف الواو فيه عدة إيحاءات ذهنية.

"الصدفة أحيانا ترتدي لبوس المؤامرة" كلمات ذات حكمة سياسية نثرها هنا وهناك لتقود الفكر نحو التحليل وإعادة بناء الرؤية بعد قراءة رواية حملت الكثير من القصص في كيان روائي مزجه بفلسفة زمنية تواكب العصر بتطلعاتها السياسية التي توحي بالكثير من الأحداث المحلية والإقليمية مع الانتباه إلى أن السياسة تأكل الثروة والعمر والإنسان الذي يلهث خلف مناصبها ومغريات العمل بها، وبمجازية ورمزية موجهة إلى فئات المجتمع المختلفة في العالم، لتبدو السياسة كأنساق اجتماعية محورية معاصرة في أبعادها الواقعية وطبقاتها السياسية المتنوعة الأكثر تعقيدا من المومس وسلوكياتها المهنية التهويلية في بعض منها مع شخوص تتصارع فيما بينها بحنكة ودهاء، وبتأرجح في المواقف والقرارات التي يضعها الخشان ضمن معايير هيمنة عالم السلطة على القيم بتناقضات برجوازية طافحة بالنقد لتعرية سلوكيات الشخوص الروائية المتشابهة مع الواقع وموضوعاته السياسية المتكررة التي تقتضي التحليل بمنطق روائي حدد طبيعته بالحريات والاستعباد والقهر السلطوي الذي يتصف بالمناورات في قالب روائي يهدف إلى قراءة الماضي والحاضر عبر الواقع الروائي المتخيل سياسيا.

Doha El Mol