مملكة الفراشة
قراءة في رواية "مملكة الفراشة" للروائي الجزائري واسيني الأعرج.
يحاول واسيني الأعرج في روايته الجديدة "مملكة الفراشة" بناء جسر افتراضي بين الغرب والشرق، أو بالأحرى جسور أدبية معولمة تجمع بين العوالم المختلفة، كما حاول بناء جسر لغوي بين لعنة الفراشة، ولعنة غرناطة، ليخرج رافعا علم السلام في مملكة الفراشة، ويقول: ومن الأدب ما قتل، فالجنون الروائي ما هو إلا العيش مع أبطال كل رواية، وكأن القارئ راقص تانغو يدمن على الحركة بدون توقف، أو عازف على آلات موسيقية تعالج الروح المتعبة لصيدلانية منهكة اجتماعيا، تعلقت بحبال وهمية محاولة الصعود نحو مملكتها لتتقاطع المسارات بين شخصيات الرواية، فالإيقاع الزمني ربما يملأ الذاكرة بالكثير من المعايشات الحياتية الشبيهة بالمضامين الروائية، لنشعر أن فاوست ما هو إلا لعبة أسماء نتقنها فايسبوكيا، لنعيش ضمن افتراضيات تتعب الأعصاب أكثر، وتجعلنا مدمنين على وجود له صفة العالم الآخر، أو كما قال واسيني الأعرج في روايته" شبكة الجني الزرقاء" أو"مملكة زوكيربيرغ الزرقاء" دامجا المفردات والصيغ الإنترنيتية في رواية تعلن بداية ثورة أدبية تعيد إحياء الموتى إلى العالم الافتراضي، ولكن بلغة التقمص الشبحية، لغة تدمج القديم والجديد، كما دمج هو أبطال الروايات في رواية كالفراشة، كلما تماديت باللحاق بها أحسست أنك أصبحت بعيدا عن الأدب، ومقتربا من الحياة العامة.
تفاعل روائي بنيوي معولم افتراضيا وبناء من ناحية المفهوم المرضي المتعلق بالإنتاج الجديد، ألا وهو شبكة التواصل الاجتماعي، وزيفها أحيانا، فالرواية بسيطة بساطة الحياة الإنسانية، ومحبوكة بحبكة افتراضية تأخذ من الأنامل كل حرارة الحياة، وتمنح الفكرة قوة خيالية تعيد إلى الوجود الوجوه الأدبية والفنية القديمة أمثال يوريس فيان وغارسيا لوركا ومانويل ريفاس، متسائلا على لسان أبطاله: " هل سكنت أحلام الموتى" ليجسد الملامح بتلقائية صيغ ومفردات نستخدمها في الحياة اليومية، فهو لم يمس بالوحدات الأساسية للرواية، ولم يزعزع أركانها، لكنه منح الحوار ديناميكية تتغير صعودا وهبوطا تارة نحو الماضي، وتارة نحو الحاضر، ملتزما بالأسلوب الروائي القديم، متمردا على الأسلوب الروائي الحديث، فالجيل الفاصل بين الأم والبنت هو جيل الكتاب الورقي، وجيل الكتاب الفايسبوكي، وما بين الاثنين متعة فراشة تجعلك تقول بعد نهاية الرواية: "أعتقد أنه من يومها وضعني في كفه وعركني بقوة ثم رمى بي في قنديل الزيت مثل الفراشة " فالقارئ يتأثر افتراضيا بواقع الرواية، وما خلقه فيها واسيني الأعرج من تهويمات وسيريالية" فجنون الأم ما هو إلا حقيقة تستهدف الهروب المأزوم من واقع "لا يرتاح الإنسان حتى في قبره"
لا يستطيع قارئ رواية واسيني الأعرج التنبؤ بالأحداث التي حافظت على وتيرة متوسطة واحدة، دفعت الإحساس باللغة ألا يسمح لقبول المعايير الأدبية المقولبة التي يجب الالتزام بها روائيا، لأنه قدم رواية أعادت للحياة بعض الوجوه التي لا يعرفها الشباب من خلال الأم، وما اندثر بالفعل الماضي سيندثر بالفعل الحاضر، لكن المستقبل يحمل بشارات ذات صفة متناقضة، فالمواقف بين الشخصيات واختلافها ، كشخصية البنت والأم وانعدام التوازن بين الحيوات من حالة نفسية يعاني منها الأخ " أشعر كأننا كلنا أسهمنا في تدمير حياة رايان الذي كان ضحية حرب ليست له، وضحية عائلة ولد فيها بالغلط." فهل نحن ضحايا حروب ولدنا فيها بالغلط؟ وهل تتوازى مملكة الفراشة مع لعنة الفراشة ؟أم أن الرواية لم تبدأ ولم تنته، لأنها افتراضية معلقة في ذهن شابة " تحولت مع الزمن إلى نشيد للحياة وللشباب المنكسر، بعد أن فشل نهائيا في أن يجد وطنا بديلا. "
يقول دكتور شاكر عبدالحميد: إن العمل الفني يتطلب من الإنسان ألا ينتقل من موضوع التجربة الحسية إلى التصور وحسب، بل يقصد عالم الرمز تاركا بذلك عالم الواقع متجها نحو ما ينبغي عمله حيث يخلق المستقبل بيديه."
إن البنية الرمزية والموضوعية في رواية "مملكة الفراشة" معقدة في نواح نفسية اجتماعية متعددة، كما هي معقدة تهويميا، لأن الشخصيات الضبابية تجعلك تترنح داخل الذاكرة إذا كنت من القراء المثابرين على اقتناء الكتب، وقارئ ممتاز، لأنك ترحل حيث لوركا وحيث" لعنة الفراشة" حيث لوحات بيكاسو و" امرأة الظل" وحيث الفرق الموسيقية، فهو يحاول في روايته هذه كشف الغموض عن العديد من الشخصيات الأدبية والسياسية، ليفرض وجوديا إظهار بعض التفاصيل الحياتية لأشخاص ما زالت معالم حياتهم الاجتماعية غامضة عن القراء هاربا في كل مرة إلى الحبكة، ليعيد تصحيح الرؤية التي ارتبكت عند القارئ، ثم يعاود تبسيط اللغة، وكأنه يحتال أدبيا على القارئ، ليصحح مسارات اجتماعية، وفنية تتميز بالألاعيب الافتراضية التي امتهنها البعض، وأصبحت هاجسه الوحيد في الحياة، لتنتهي بك لقطة الفلاش باك عند أغنية ( In the Rain) لنتذكر تفاصيل هذا المشهد الجميل.
انعكاس ذهني يؤسس من خلاله واسيني الأعرج تصوير قوة شغف القراءة، وتأثير الشخصيات الدينية أو الأدبية أو الفنية على الاختيارات الفكرية التابعة للنفس وحاجتها أو هروبها من العزلة والوحدة، فلحظة التوتر المضموني جاءت من خلال الكلام عن الدين، والحوار الومضة ليظهر بعض المواقف الحياتية والاجتماعية، والصراع للشعور بالأزمة الحقيقية التي نعيش فيها" اليوم لم أترك أي كتاب من كتبه. أتمنى أن تهتدي له وتتعلمي كيف تدافعين عن نفسك كامرأة، وكيف تدافعين عن دينك أمام الآخرين، اليوم أصبح كل واحد في موقعه، وعليه أن يشحذ كل وسائله الدفاعية كما يقول الشيخ عائض القرني وإلا مات تحت الرفس" وهذا الخروج للدين وظفه توظيفا عابرا أو دس به في حبكة هو بعيد عنها ، لينهض بالعقول من الإعياء بسيكولوجية إن جاز التعبير.
بناء فني اجتماعي يكشف عن قراءات متنوعة تعشش في ذاكرة واسيني الأعرج لحد الهذيان، ولكنه يتقن فن الاستنساخ، بمعنى يحاول تصحيح التاريخ الأدبي لوجوه رحلت من خلال لعبة أسماء ، أو مزج الماضي بالحاضر لتكوين مستقبل مشبع بالأسس الصحيحة، وعناوين تعيش في واقع معاصر، يتخبط مع الواقع الافتراضي، واللغة الفايسبوكية الفاقدة للروح، فاختزال المواقف أعطى رؤية جمالية لبلورة المستويات التخيلية المستمدة من بنية أعمال روائية شبيهة بمملكة الفراشة من خلال تشظي شخصية الأم، والإطلالات الموسيقية في نسيج السرد والشكل المونولوجي في النهاية، ليجعلنا كما يقول سانت أمان:" لنشرب الأنخاب مع الموتى" وهذا ما تركه واسيني الأعرج في مقدمة رواية مملكة الفراشة " نحب التانغو ونرقص مع الموتى" وكأنه بهذه الجملة يعيدنا إلى امرأة الظل بأناقة روائي أدمن إعادة الموتى إلى الأدب و"ربما كان الأدب من هذه الناحية أخطر حالة، لأننا ننسى أن الحياة أعقد بكثير مما قرأناه".
Doha El Mol