صدمة حضارية مصغرة
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في رواية "البدوي الصغير" للروائي مقبول العلوي.
يهدف مقبول العلوي في روايته "البدوي الصغير" الصادرة عن دار الساقي بتحفيز الذاكرة التاريخية مستقرئا هوية الأمكنة التي كانت بمثابة حضارات صغيرة تتلاقى عبر شخصيات منحها تراثيات الصحراء، وبتأطير يتجسد بمؤشرات البحث عن النفط في أمكنة متعددة أضاف إليها نكهة الوجود الغربي، وبمفارقات واقعية في تخيلاتها الروائية، لأنها دينامية في بنائها المتطلع إلى تجريد الهدف من الفعل الظاهر، وسحبه بعمق نحو الجوهر الاجتماعي الذي استطاع خلق تغيرات في كل قرية زارها رحالة ما، أو أقيمت فيها شركات لاكتشاف النفط، رابطا بين القشلة التركية أو العثمانية وبين الهضبة برمزيتها الغربية التي تبنى لتكون بمثابة غرف صغيرة لعمال شركات النفط ، فهل المقارنة هي مؤشرات إلى انتقال البدوي من حال إلى حال دون إدراك قيمة الأمكنة التي يقطنها؟
أيقونة روائية محفورة كبئر نفط عميقة، وتواريخ استخرجها من الأحداث التي ارتبطت بسني الجراد ومبارك بن لندن وقدمي ولفريد تسيغر عندما وطئت تراب القرية، وكأنه يؤرخ لمرحلة يفتحها على تجارة الريالات الفرنسية التي تحمل صورة ماريا تيريزا "والتي كان مهتما لشرائها مستر ديكان لما تحمله من آثار لوجود غربي ترك عملته في هذه المناطق الرملية الغريبة في عاداتها وتقاليدها، والتي كان تعتمد على المقايضة والاستبدال، في حين أن العادات الاجتماعية الجاذبة لهؤلاء المتمسكين بأخلاقيات عالية هي رائعة ومدهشة، وتجعلهم ضمن فلكلوريات غريبة، كالختان والطهور، والنساء الحافيات، وما إلى ذلك، بأسلوب متين يخضع لربط العلاقة التاريخية بالمضمون الاجتماعي الذي تطور مع سني الطفرة، فمن هو ابن سعدون في الرواية "وما هي الإسقاطات التي غمسها بتساؤلات أهمها: ما الذي يدفع بهؤلاء إلى ترك بلاد الغرب والبقاء بين رمال الصحراء بل التلذذ في البقاء بين هذه القرى؟
" ربما كان سعدون مغرورا بالقرية ويراها مركزا للكون كله، وربما كان يرى أشياء لا يراها سواه" اختلط السرد الروائي مع المكونات الأساسية التي انطلقت مع النمو الزمني وفروقاته على الأمكنة التي تغيرت مع السنوات، بحيث يلملم القدر الحواس المبعثرة بين حلب وحماة، وأميركا والسعودية وفلسطين وحرب الشتات مع جمع لتواريخ مهمة ارتبطت بأحداث أراد إظهارها مقبول العلوي، ليربطها فيما بعد بالرؤية العربية وضيق النظرة أمام اتساع النظرة الغربية للإنسان نفسه الذي فقد معرفة الكثير عن البلاد التي تحتوي كنوزا في باطن أرضها وظاهرها، وعن المزادات العلنية المهمة التي تطرق لها بانتقاد إيجابي وهو الوفاء للفن والأدب والصحافة في بلاد كرمت الفيس، وتركته يحيا بعد موته في متحف ضم تفاصيل عنه، ولأشخاص جعلوا لتوقيعه الأهمية الكبرى، ليتعادل مع ريالات فرنسية باعها مستر ديكان فيما بعد عبر مزادات أنقذته من الإفلاس، فلكل شيء معناه عند من أدركوا قيمة أرضنا وعاداتنا بل عند من حملوا ملامحنا معهم في صور فوتوغرافية لم نهتم لها، فالسنون كفيلة بصنع المعجزات، لأن الحدث في الزمن الماضي قد يصبح غالي الثمن معنويا وماديا في الحاضر والمستقبل، وهذا ما لا نفكر به في مجتمعاتنا الباحثة عن لحظة حاضر دفنت في الماضي، ولم نحاول حتى استخراجها، فهل سكب مقبول العلوي فكرته في أدب يميل روائيا إلى مقارنة خفيفة الظل متمسكة بأصولنا وأهميتها في الغرب؟.
بين الفن الشعبي والأكلات الشعبية مشهديات حملت في باطنها لغة تساؤلية وتلميحات ترمي إلى" وقف المستر ديكان أمام الخروفين الملقيين على كومة كبيرة من الأرز ذاهلا من الكرم العربي أو آسفا لذبح الخروفين كاشفا عن استراتيجيته الروائية في هذه المؤثرات الوظيفية للسرد، والتي استخدمها لبناء المشهد عبر استكناه الواقع الحقيقي لعادات عربية ربما تختلف في تقييمها عند الآخرين، وبتماس فعلي مع الأنماط والاشتقاقات اللغوية وأبعاد الأمكنة التي احتفظ بها البدوي الصغير في ذاكرته، كما احتفظ بها ديكان في صورة فوتوغرافية تجمد فيها الزمن، فهل حاول مقبول العلوي عبر روايته الكشف عن الكثير من العلاقات المرتبطة بتغيرات الأمكنة عبر الزمن، وارتباطها بأحداث كثيرة ذات أهمية كبرى في باطنها المعنوي؟
أمام تقنيات الدول الغربية وبدائية الصحراء نفحة حركية تتصف بدرامية الزمن وتصورات مخيلة لا يمكن استنتاجها أو إيجادها في رواية ذات صياغة بانورامية اكتملت أطرافها في أميركا التي تمجد إرثها الفني المتمثل بالفنانين والأدباء والكتاب، ورصد كل التفاعلات الحياتية الأخرى مثل المقارنة بين سميرة توفيق وما تركته في نفوس متذوقيها العرب، والفيس وما تركه في نفس نادين وغسان الذي يمثل الرؤى الزمنية للواقع، وما يزخر به من متغيرات لا تخطر على البال، تفاصيل كثيرة مختبئة في قعر الذاكرة التاريخية استخرجها في فصل "حرب 48" لنستنتج الأسباب التي دفعت لإجراء تغيرات ديموغرافية على رمال الصحراء التي شهدت تقدما عصريا في العديد من النواحي الاجتماعية والمكانية، والانتقال السريع عبر الأزمنة نتج عن الأحداث المرتبطة بحروب أوحى لها، ليضعها بأمان في ذهن القارئ، وفي الذاكرة الروائية للبدوي الصغير، وبثلاثية الاسم شنان وغسان والبدوي الصغير، ونحن أمة واحدة في أماكن متعددة وفكر تتوحد من خلاله المفاهيم الاجتماعية القائمة على التشابه في الحاجات والميول العاطفية، إذ استطاع مقبول العلوي ترك نفحة جمالية للحب العذري الذي تشتهر به الصحراء نافيا من روايته الرجل العربي الذئب بعد أن كتم سؤاله لنادين: هل ما زالت عذراء؟ فما جمعه مع نادين هو ثقافة فنية بحتة، وجمال ارتبط باسم مغنية تغيرت بعد وصولها إلى مرحلة عمرية ستينية كبلاده تمام وتغيرات ديكان، فالأرض والبلاد والإنسان بحالة انعكاسات، لأن البلاد تتقدم مع الزمن ويصبح لجمالها مقاييس تختلف عن الإنسان، لكن المضمون الإنساني يحفظه التاريخ والحضارات الباحثة عن أثر تتركه للزمن، إذ استطاع مقبول العلوي حفر روايته على رمال صحراوية ومصطلحات ما زالت تحمل كنوزا كثيرة أغلى بكثير من الريالات الفرنسية، فهي في الغناء الشعبي والأدب أكثر منها في الأرض.
Doha El Mol