معادلة المحو والامتلاء .

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في ديوان الشاعر شوقي بزيع "إلى أين تأخذني أيها الشعر"

يبني الشاعر شوقي بزيع من سني الكهولة برجا لؤلؤيا ينتظر فيه وحي الشعر، وهو في حالة من الغليان والركود مستغربا كل من الحالتين الغريبتين والمتناقضتين التي يمر بهما، وكأنه يبحث عن خيط وإبرة لإكمال ثوب الحياة الشعري الذي يجعله مفتونا بما يختبئ من رؤى في ذاكرة بدأت تمحو بعض تفاصيل العمر الشبيه بدوامة اشتدت فيها حاسة السمع، وإيقاعات الكلمة المفعمة بالحيوية، وبمغزى الحياة الشعرية العميقة فلسفيا، فالتباعد بين المعنيين جعلهما متضادين، لأن المحو لا يعني الفراغ، والامتلاء لا يعني الإشباع أو الاكتمال، فالمحو فعل مستمر مع العمر ولا سيما أن الذاكرة تشذب مخزونها، وتمحو الأشياء التي تندثر فيها، لتصبح كعبارات يسددها إلى المعنى، وإنما هو تسديد إلى خارج الوجود. فهل دوامة الشاعر شوقي بزيع هي الوجود بكل أعاصيره الزمنية المسببة للتغيرات، ولضعضعة الذكريات؟

رؤية نفسية ومخبوء جوهري للعمر الشعري، والخوف من شح زيته الذي يضيء الانفعالات نحو عقلانية النضج التي اكتشفت المآسي المحيطة بفترة زمنية تتجلى بتعابير ذات أصداء عقلانية وحكمة تحليلية تبرز مدى سلطة الشاعر على الكلمة وموسيقاها الداخلية والخارجية التي تنبئ عن معزوفة مائية يستخرجها من بئر هو عبارة عن ذاكرة فاضت، وتحتاج إلى حذف وتطهير بمنهج نفسي ركن إليه في ديوانه هذا، كأنه أوتي عمر الحكمة والزهد وروحانية المعنى الممزوج بعظمة النفس ورغبتها في النهل من المعرفة الإيجابية، وبذكاء يشع عبر معادلات شعرية من شأن العقل الإنساني التفكر بها، لتكون نظرياته الشعرية يقينية في حقائقها المنطقية والمتخيلة، وكأنه يبرهن فلسفيا عن نظم العلاقة بين الشاعر والكلمة بتشبيه تمثل بالإبرة والخيط، ورمزية الحس الفني في ازدواجية المعنى، لنستقي من ديوانه البعد الفلسفي، بأشكال بلاغية تطرب وتشجي القارئ العام والخاص.

جادت قرائح شوقي بزيع بلغة تشكيلية صورية انطباعية، وهي جوهرية في مقاييسها البنائية والنقدية، احتفظ من خلالها بالتحديات الشعرية التي تتفوق على فروعها معتبرا الشعر الكينونة الحقيقية للفنون بأكملها، وبثقة فجرها في قصيدة تستلهم الأسلوب الجمالي في بناء اللوحة والمعايير الشاعرية المرتبطة بالحركة واللون والمعنى مستخدما الوقفات بدائرية واعية في ارتكازها على غير المألوف، بتمرد محوره كهولة الفن الحكيمة، ومحنة التمرد على الذات للخروج من حالة التذبذب إلى الثقة الكاملة بالتضاد في الحياة، لأن البداية هي في إزالة الشوائب التي تتوالد بمرحلة الشباب، وتحتاج إلى محو لإبراز قيمة العبور إلى المعرفة الكبرى، وقوة الإدراك دون الالتزام برتابة الشعر بل بانتفاضة ارتبطت بموسيقا النفس الحزينة التي استبصرت معنى الحياة .

تدفق حيوي في المعاني الموسيقية المتوازية مع إيقاعات ذات نسب متفاوتة، منحت القصيدة مخيلة واسعة الأفق تاركا شفراته السرية متوزعة في ديوان واكب الأفكار بموسيقاه الشعرية، وبنفحة سحرية لها مهابتها الخاصة للدخول إليها من قبل القارئ الذي يفاجأ بمحاكاته بسلاسة ذات رؤى تعددت فيها الرموز والموحيات التكوينية لقصيدة حركية في تمثيلاتها الزمنية لخلق هالة حول العمر، والخوف من الخيبة الشعرية التي يستدركها في انتصارات الذاكرة على جمود الحالة العاطفية أو الانفعالات الشعرية أو وجدانيات سابقة بعقلانية الحبك أو بحياكة إبرة وخيط، كريشة رسام تفردت بسماتها الإبداعية التي تؤسس لأشكال شعرية شمولية في تطلعاتها الأدبية "وأنا أكتب هذي القصيدة\ مستجمعا قدر ما أستطيع من الكلمات\التي خرجت من أحافيرها\كي تطارد من فجوات البياض\ شتات تشابيه بالغة الاضطراب\ تزف الحياة مواعيد أخرى"

يحمل ديوان شوقي بزيع خطابا فكريا يكشف عن تحديات ومضامين جمالية تنطوي على ثراء شعري لا تختلف متعة قراءته عن قراءة أي عمل فكري بعناصره المكتملة والمتماهية مع الصياغة وجواهرها الشعرية، فهو يتحدى الرواية والقصة والمقال النقدي بالخلق الفني للارتقاء بالقصيدة ذات الفضاءات المتخيلة بواقعها، ومعالجاتها للنفس التي أدركت نبوغها ونضوجها وكهولتها المرتكزة على الحكمة والمعرفة بمجريات الحياة، وبتصورات شتى يستكنه من خلالها خفايا النفس الشعرية المعجونة بروحانية الكلمة ومعناها، ومبناها وسرها الأكبر، بدءا من النسيج وصولا إلى الشكل الفني، وإرهاصات الحالة الشعرية التي تكتنز عدة قضايا يعالجها بالشعر نفسه منها "عزلة الخادمات" وبإسباغ حسي يتصف باستثارة الذهن مستعرضا الواقع العمري للذاكرة الممتلئة التي باتت تحتاج إلى محو إيجابي للإبقاء على الجوهر الحي المؤطر بالصور الشعرية التي تتوالد تلقائيا عند التلذذ بالجمال دون تنازلات عن العمق الفكري، لمكنون الشعر المتجاوز عن المستويات الفكرية بالتمرد عليها، وخلق حوارات صامتة لا نهاية لها "ينبغي في معادلة المحو والامتلاء \بأن تخلع النفس كاملة \ فالكتابة ليست سوى امرأة\ لا تريد أقل من الموت\ مهرا لها، فاخسر العيش كي تربح الكلمات."

متكآت فنية ذات تعبير ينم عن ثنائية الشكل والمضمون في بنائية القصيدة التي يتوجه بها إلى ذاته أولا، لتكون بمثابة تحديات تخوله إلى بلوغ القمة الشعرية، لتشتعل في كهولة تنتفض على الشباب، وتقاوم شيخوخة تنسجم مع طبيعة الشاعر الذي يلجأ إلى مخزون الذاكرة وخلودها في مرحلة حاسمة يبترها بالمحو بعد امتلاء أحدث كيانا شعريا توغل من خلاله في دهاليز مواضيع شتى عالجها شعريا بمنطق الحكمة والبلاغة دون تشتت، وبمعادلات رصينة تجانست فيها اللغة مع الصورة المؤكدة على حيوية الشعر في كل حالاته، إذ يستمد الشاعر من الانطباعات الذاتية استنتاجاته المتوافقة مع متانة القصيدة وموسيقاها الفكرية بل اتزان الغموض في عالم القصيدة.

ديوان حمل صفة الحكمة والإيجاز المختلط بالأبعاد، ليبرهن للقصيدة أنه ما زال يمتلك مفاتيحها بكل ما أوتي من قوة شاعر يستند إلى قلم مبتور الرأس، وخيط وإبرة تارة تقع في بئر، وتارة تؤلف بينه وبين النسيج الفني بل على ريشة يتفاخر بحركتها كريشة الفنان جميل ملاعب مداعبا الريشة بالحرف وقماشة اللوحة التي تركها كعواصف كاسرة تشتد بين القصيدة وكيانها الأدبي، واللوحة وأسلوبها التشكيلي مانحاً لقصيدته الوطن، ولريشة الفنان جميل ملاعب الطبيعة والقرى والتفاصيل التي نبعت من مخزون الطفولة والشباب متفوقا على الفن بالقدرة على بث الحرف روح الكلمة " لم أسم الطبيعة أما\ولم تك لي قدرة الشعراء على الرقص\فوق حبال الكلام\على أنني رغم ذلك لم أتنكر \لشمس تؤدي فروض الظلال" فكل سطر من ديوان الشاعر شوقي بزيع هو عالم من لدن الفكر والحقيقة والخيال. فهل لمداميك الكهولة إعجاز شعري وسلطان كلمة؟

Doha El Mol