مفهوم البطولة الحقيقية.

ضحى عبدالرؤوف المل

قراءة في المجموعة القصصية" قبل أن تبرد القهوة" للقاص والروائي والسيناريست رامي طويل.

تشتد بنية القصة بين معادلة المضمون والأسلوب واللبنة الجوهرية لانتفاضة كلاسيكية على الحداثة، وعلى الزركشات الشاعرية في المجموعة القصصية " قبل أن تبرد القهوة" للقاص والروائي والسيناريست رامي طويل بفن ذي حس درامي في التقاط الحركة والفعل عبر تدوير الحدث بتنبيه لم يخل من إبداع في تشييد الفكرة وتنميتها بابتكار يحسم من خلاله النهاية بمنطق حافل بالغموض المفتوح منذ البداية، وتركها بين الخطوط، لتكون بمثابة تحفيز ذهني يستفز القارئ للوصول إلى النهاية المثيرة للدهشة، أو لعنصر المباغتة الذي يجعل من كينونة البنية القصصية عالما روائيا في قصة ذات تقنية سردية مشدودة الأركان، وقراءة للأشياء المحيطة بالقصة قراءة هادئة تمتزج معها النماذج الإنسانية بوضوح يتراوح بين الحقيقة الواقعية، وجمالية التخييل الجمالي المتموضع في الزمان الذي يتركه بين الماضي والحاضر، دون أن يدنو من تفاصيل الزمن وإرهاصاته، كما هو ملموس في قصة "منشور سري" إذ يرتبط الزمن بالحدث أو العيد الذهبي الذي تركه مدفونا بين قصاصات ورقية لعب بها الأطفال أبناء الغد الذين انطبعت في ذاكرتهم ذلك الربيع البعيد.

منذ الجملة الأولى في كل قصة يقودنا رامي طويل في رحلة تنتهي قبل أن تبرد القهوة بمعزل عن السمات الاجتماعية والسياسية المقترنة بالملامح النفسية والاعتماد على الذاكرة، وتأثرها بكل ما حولها عند التقاط الحدث والاحتفاظ به، ومن ثم استخراجه بقدرات قصصية مميزة، حبكها باستبصار فذ، وعناية أسلوبية مرنة قابلة لخلق العوالم الفسيحة أمام القارئ، لفهم تكوين القصة قبل الوصول إلى ذروة محفوفة بالبرود المستفز كما في قصة "الاستقالة" والتشخيص للفعل ولردة الفعل، للكشف عن ظاهرة اجتماعية ترتبط سياسيا بالمجهول، والكرامة المهدورة، وما إلى ذلك، فهل المنشور السري والاستقالة هما لغة بناء قصص لا تكلف فيه، وإظهار لجوانب سلبية بإيجابية وخصوصية تفرد بها رامي طويل؟

ما بين الجملة الأولى والأخيرة في القصص ربط دراماتيكي كالدمية المبتورة الذراع في قصة "الطريق إلى البيت" ورمزية الذراع المبتورة التي نشأت وترعرعت على فكرة استطاع تنميتها منذ البداية، والاكتمال معها في النهاية، لاستنباط الأصول الجمالية في السرد والوصف والدراما الحسية القوية في تأثيراتها على المخيلة، وكأن عين القارئ هي الحرف الذي يتطلع إليه بتطور ونمو وبلوغ الذروة القصصية، باندفاع عقلاني نحو الحلول التي تكشف عن حوارات داخلية بين القارئ والقصة، وكأنها العالم الحقيقي الذي عاش فيه القارئ ببؤرة الصراع الذي يتأزم، ويترك أثره في الزمن والذاكرة بأبعاد نفسية وفكرية ترتكز على محور الانطباع العام بين الكاتب والقارئ .

يحدد رامي الطويل البداية بين نقطتين أساسيتين: إلغاء المقدمة وحذف الشاعرية، لتكون القوة في الانطلاقة ثابتة على خط الاستعادة في النهاية، ليمهد بذلك إلى خلق لغة مشهدية تقود إلى طبيعة التسلسل في القصة، أو السير عبر ذهنية القارئ، بنسيج لغوي يرتقي معه الحدث باتجاه الأثر التصويري، ومحاكاته بما يوحي لكل معنى من وجود ما دون تراخ في العقدة أو الأزمة المختبئة في كل قصة مسبوكة بعناصر أساسية يتمسك بها، ليترك طرفي القصة بين يدي القارئ بثقة تستجيب لها الحبكة القصصية التي تتميز بها كل قصة من قصص "قبل أن تبرد القهوة "فهل اتساع أفق كل قصة هو سبب نجاحها؟.

قصص تتميز بلغة صامتة مرئية في حركتها وأفعالها دون اضطراب في الزمن الذي تركه دون قيود، وبحيوية مكانية متحركة في تنقلاتها الموحية بدينامية التناقضات بين التشخيص والتجسيد، والتعبير اللغوي لمدركات حسية اعتمد عليها بتمثيل فعال للفكرة، واشتدادها عبر منظور الوحدات المتشابكة التي تؤدي إلى رؤية قصصية واحدة تمسك بها رامي طويل لإحداث انتفاضة على الكلاسيكية، وخلق حلقة فارغة بين الكلاسيكية والحداثة بجمالية تفضي إلى استخلاص القواعد الثابتة والخاصة في أسلوب القاص، فهل الغوص في عمق اللاشعور القصصي هو الحلم الجميل في قصة "نيرفانا"؟

Doha El Mol