لغة الوعي في تشكيل النص الشعري.
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في ديوان "شهوة القيامة "للشاعر نعيم تلحوق.
ينتج عن قصائد ديوان "شهوة القيامة" عدة لغات غير مرئية مبطنة بفلسفات يتخذ منها الشاعر نعيم تلحوق مكونات داخلية تتدفق منها مخزونات حيوية لمفاهيم يطرحها أمام القارئ بالتفافات على المعنى، لتكون الجملة الشعرية لغزا وجوديا ذا محاور ترتكز على دقة لها إرهاصاتها الفنية، لتستحوذ التراكيب على طاقات قوية لمعان تندرج في تكوين البنية الشعرية وتوازناتها في مقاربات هي معادلات نسبية يمتلك ناصيتها نعيم تلحوق، ويقودها كخيل شعرية يسابق بها المحال حيث تصغر المسافات، وتكبر تبعا للزمن الوهمي الذي لا نراه " تكبرين بعيدة\أنت تطيلين المسافة لتصغري\وأنا أقصر ظنوني عنك\ليقترب جنونك مني\قبل نهدات الرحيل." حيث يتحسر الإنسان على عمر مضى، أو أي أمر مضى، ويحاسب الزمن وفق تناقضات فكرية واضحة الحكم، أو كالقاضي الواثق من الحكم.
أبعاد ثنائية في تطلعاتها عبر المتناقضات ما بين عبارات التصوف وأمزجة الشعراء" لا أعرف بماذا أروي صلاتي\لتصبح نبيذا حالم الأقداح "فالصلاة اتصال غيبي ما ورائي أو اتصال واقعي مادي ملموس، والنبيذ يترجم ما بين هذا وذاك، لتكون نقطة التلاقي هي الافتراق عن الواقع الملتصق به، حيث يصعب الوصول إلى اليقين من الحلم، لحدوث سكينة استودعها في تجليات المكوّن بعيدا عن الانفعالات الوجدانية التي اعتاد عليها القارئ، ليفاجئ الذات بالخروج من الإسنادات الضعيفة نحو الموضوعية التكوينية في النص الشعري الهادف إلى إبراز تحديات معاصرة، إذ احتلت الأرقام بعدا رافضا لكل تجليات الأرقام الناتجة عن أعمال حسابية لا تنم إلا عن مصالح تخضع لقوانين بعيدة عن الوجدان والمشاعر والأحاسيس، لينتفض بلغة الوعي الشعرية عن كل ما هو مألوف، وليحاكي العقول قبل القلوب، ويعيد مفهوم كينونة الإنسان.
لعق الهراء واستنكار المبالغات أو العبارات التفخيمية الناتجة عن ازدراء داخلي، وتعظيم خارجي في بساطة التعبير، والنهاية ذات الجرس المدوي الوحيد في نغمته التي قرع بها على المعنى الذي أسقطه في قعر القصيدة، لتكون مدوية فعالة في خلق إشكالية تساؤلية، ليكفّ اللسان عن تعابير يلعق بها المفردات التي ينطق بها دون أن يسلب من القصيدة الإيقاع الذي ينتفض على الرتابة في تشكيل العبارة، وازدواجيتها وانعكاسها على التوازن رغم التناقض بين البداية والنهاية، والأسس الجدلية التي يثير زوبعتها الشاعر، لينتقد الانفعالات والمبالغات الاجتماعية في قصيدة تضيء جوانب مختلفة من سلوك يترتب عليه الانتفاضة على واقع لفظي يجب تصحيحه قبل فوات الأوان.
جبرية نحوية ذات تركيب لغوي، نحته شاعريا ليكون رياضيا بمرونة اللغة التي سخرها في تشكيل هيكل القصيدة مؤكدا على أهمية المحتوى البلاغي، وما تؤول إليه المعاني عند الإمساك بها بعيدا عن التكرار وباختزال شديد قد يصل إلى الزهو في امتلاك العناصر الشعرية التي ينطلق منها، ويوجهها تبعا لعقلانية الوجود وبؤرة العدم التي يعتمد عدم السقوط في متاهاتها، لبناء المعنى قبل الصورة حيث تشتد اللغة دون تراخ لتضيف خاصية تؤثر على البناء النحوي بمستوياته الحسية والمادية "كنت أبحث \عن متنب يراني\صرت أبحث عن نبي أراه\ربما كنت\من يخون سواه"
تخضع عملية البناء الشعري في الديوان لضروب من فذلكات شعرية لها اتجاهات غامضة، لكنها تتناغم بلغتها المبطنة مع الرمزية الغامضة، وتتداخل الكلمة مع المفردة وفق توازي يسمح للغوص في الأعماق، لاستخراج الدرر وحكمتها، لتزدان القصيدة بجوهر المزج الذي يسعى إلى ترسيخه في لب القارئ قبل وجدانه حيث تتشكل حقيقة الإنسان الواعي، والباحث إلى السيطرة على مفاهيم الإنسان في الحياة " أبكم أعرته صوتي\ فأسكنني فمه\ وحين استلقى نبضي عليه\ بصق في وجهي دمه."
دهاء شعري يلوّح به في ديوانه دون تغييب الوعي، ليحتفظ بمقادير الحقائق التي تتجلى بين المعاني، ويتسنى له إنجاب الواقع الناصع بضوئه حيث تتبوأ القصيدة رأس الهرم، أو العين التي ترى بعقلانية واستبصار كل ما حولها، لتحوله إلى تراب حيث يظهر التبر الحقيقي، لأن ما يهمه هو نفض الأكاذيب الشعرية، وإظهار القوة في قيادة المعنى وصقل الشكل المكتنز على نغمات فردية، ليربطه في الأذهان كي لا تنسى شهوة القيامة، ومن تخوله نفسه أنه سيبقى على قيد الحياة، وببناء محكم بالأفعال، فيكاشف الخوف بكل أشكاله "الخوف من المعرفة\كالجهل بها\ خطان متوازيان\ لا يعرفان الاستقامة " فهل شهوة القيامة هي شهوة بقاء القصيدة في نعيم الخلود؟
Doha El Mol