مدينة الكلمات
ضحى عبدالرؤوف المل
قراءة في كتاب" مدينة الكلمات" للمؤلف ألبرتو مانغويل.
يصوغ الكاتب ألبرتو مانغويل كتابه "مدينة الكلمات" الصادر عن" دار الساقي" والمترجم من قبل يزن الحاج وفق رؤية هندسية لبناء الكلمة التي يخلقها بمعزل عن" لعنة كاساندرا" وتعني عزوف القراء عن الإنصات، إذ ينصت القارئ لمعاني كلماته، وإيحاءاتها القوية التي تسري في الذهن كأنها الترياق الشافي الذي يعيدنا من منفى الجهل إلى قوة المعرفة التي يفصلها في كتابه "مدينة الكلمات" المؤثر على الحواس لفاعليته في الصياغة المنوطة بتقنية البحث والمحاضرات ذات النفع العلمي المبنية على أهمية الأدب في الحياة، وفهم القراءة وقوة تمكينها في النفس، من خلال الأسطورة التي تحكي عن "لعنة كاسندرا" والتباسات الكلام والخلود المطلوب من خالق أي مسار، مما يترك للوعي قوة وضوح عند القارئ والكاتب، لأن الكلمة عند ألبرتو مانغويل ترى وتمشي وتتكلم وتتفاعل مع الواقع وتتخيل، وتستطيع تشييد المدن والقضاء على الفساد، فالهندسة ليست مقصورة على الأبنية التي يقطن فيها البشر بل هي البناء الشديد المحبوك بالواقع الممتد منذ آلاف السنين وصولا إلى نهاية المستقبل ،وكما يقول ألبرتو مانغويل: " إن أعطينا الآخر اسمه الأدبي"
تنمو اللغة الإبداعية عبر القراءات المختلفة، وتصبح أنماط الكلمة كمنظومات تتطور عبر التاريخ ، فالكلمة حسب رأي ألبرتو مانغويل تستلزم القيم وقوة الدفع المؤثرة على السرد الذي يتخذ صفة التمثيل، والقدرة على منح الهوية الجوهرية للكلمة، أو بشكل أوسع للغة التي تتخذ صفة الكلمة الأساس في الحياة، عبر تقديم العديد من الأمثلة، وأقواها الكتب الدينية والأساطير، وما تم نقشه على الألواح، فمقدرة القراءة لا تقل أهمية عن مقدرة الكتابة، إذ تتخذ بمراحلها الإبداعية مسارات فعالة في ضخ المعرفة أو منح الإنسان" قوة نعمة الله بشأن الكلمات "ونحن نمتطي الكلمة ونسابق بها الزمان والمكان عند الانفعالات، ليبني النص بمستلزمات القوة الفعالة التي تجعل منه هوية تشكل الكلمات فيه الأسس التي بحسب أفلاطون" يجب على البناء الرمزي أو الأدبي أن يعمل كمخطط أولي للمدينة، لن يكون لأي خيال أدبي لا يفضي إلى التحقق الملموس لمدينة مداراة على نحو تام، مكان في تعريفه للمجتمع" فالكتاب كناية عن آية معمارية تهدف إلى خلق فكرة هندسية يجب على الكاتب والقارئ لمسها ومعرفتها بل تذوقها، لتكون المحرك الأساسي للعقل والوجدان وللبصر الذي يرى النور كالعتمة، ويقوم بتحليل أجزاء الكلمة لمنحها هوية فاضلة قادرة على التغيير، لأن" الكلمات بسبب التباسها الغريب تحديدا تحاول إقناعنا نحن مستخدميها بدقتها وقيمتها عبر إظهار نفسها يكون إثباتا مطلقا." وهذا يمنح البشرية مرونة متمنيا ألبرتو مانغويل ألا تكون اللعنة أي لعنة كاساندرا فعالة، وأن القراء سيواصلون تصديقها. فهل حرفة الكلمة في مدينة الكلمات محرفة المثل في المدينة الفاضلة؟
تقنية الكتاب ضمن الكتاب تعود إلى البحث المتواصل، وإدراك مسؤولية التعلم التي تعود إلى أسطورة مدينة أوروك، والبحث في "أساساتها عن صندوق نحاسي يضم ألواحا لازوردية كتبت عليها قصة جلجامش" إذ يعتبر ألبرتو مانغويل أن هذه المرحلة هي بداية كل القصص كما يحدث في ملحمة جلجامش" اندماج الدخيل ضمن المألوف" فمحورية الفكرة في القصص تستلزم التضارب بين ما هو خارجي وما هو داخلي متسلحا برأي الروائي أوليفر غولد سميث " حين يتم التذرع بأن الدفاع عن الهوى القومي يعني التنامي الطبيعي" وما إلى ذلك وما بين" تشييد مدينة من جدران ومدينة من الكلمات يستلزم كلاهما وجود الآخر كي يتم." فهل التأويلات التي ينطق بها كتاب ألبرتو مانغويل هي الحقائق التي يجب اتباعها، لتولد المدن في العالم وفق أسس البناء المتين الذي يعتمد على قوة الإدراك والمعرفة التاريخية التي تشمل كل العلوم والمكتشفات الأثرية، حتى الأقاويل والأساطير والملاحم والقصائد والألواح والكتب الدينية، ليكون الفكر بمعزل عن التشوهات الزمنية غير القابلة للتصحيح إلا عبر مدينة الكلمات المبنية في عقول القراء والكتاب في آن معا، فلا قارئ ينعم في أجواء العلم والأدب دون كاتب يمنحه هذه النعمة التي يعتبرها ألبرتو مانغويل من نعم الله.
للقصة أهمية كبرى في مدينة الكلمات، إذ يعتبرها مانغويل اللبنة الأساسية للمدينة التي يشيدها الكاتب بمعزل عن المفهوم التكنيكي، بل بتوأمة مع القضايا التي تحملها من" فالوحوش لا تبقى وحوشا إلى الأبد. هذه هي أحد الإلهامات التي تمنحنا إياها القصص." فهوية الحضارة هي شكل من أشكال البناء اللغوي المبني على قوة الكلمة ومتانتها لبث الفكر المعرفي في أرجاء العقل البشري الذي ينمو منذ الأزل بوساطة الكلمات عبر النقوش والتلمود والألواح السومرية، وما إلى ذلك من فنتازيات وبروباغندات مشحونة برؤية الإنسان ومعتقداته، لكنها قادرة على منح مدينة الكلمات موضوعية تنبع من خيال مؤلفها وصولا إلى أدواته في تحقيق واقعها، ليكون سكانها من المخلوقات الحية وذات" اللغة البشرية الشديدة الفصاحة، وبتطور حديث أو بما معناه بتحديث مستمر لا ينفي العصور القديمة، بل يتماشى مع تحديث الأزمنة نفسها، لتكون العقول البشرية مرافقة للكلمة وقوتها في تشييد الأمكنة التي يقطنها الكُتاب والقراء بعيدا عن لعنة كاسندرا التي أشار لها في بداية المحاضرة، ليحدد فيما بعد هوية الكاتب وقدرته على منح المجتمعات تروبادور المعرفة، وهذا المصطلح قد أطلقه الفيلسوف الفرنسي ميشيل سيرية، وذلك لإيجاد جسر بين العلمين الطبيعي والإنساني. فهل استطاع مانغويل في كتابه "مدينة الكلمات" بناء الجسور التي تمكن القارئ والكاتب من الوصول إلى مدينته والسكن فيها بأمان؟.
Doha El Mol