القوة الثقافية في تحديات قوى الدول الكبرى وصناع الحروب

ضحى عبدالرؤوف المل

يأخذ صراع الثقافات الكثير من أشكال الحروب اللوجستية التي تقوم بها جيوش الدول، لكن ضمن محو الموروثات والتجديد، وخلق المفاهيم الثقافية التي تفتح كل باب مغلق لترسيم الحدود المعرفية ضمن قناعات يتم التلاعب بها أو تغذيتها، كوسيلة تشكل نوعًا من الصراع الثقافي غير الثابت على معادلة أو مقترحات أو تطورات لقناعات تستند على خبرات الماضي أو على آثار الحضارات الثقافية. إن بحثنا عنها، نجد أن الثقافات في الماضي كانت أكثر انفتاحًا على التاريخ الإنساني، وأن ضمن الموروثات وتطويرها وبتجانس مع الأدب والتجذر الفني مما يعزز احترام الثقافات على أنواعها، دون تعزيز الكراهية بين الأفراد أو دون انتهاكات لثقافات تحرض على الكراهية والقتل والانتقام للتاريخ، والبقاء ضمن المحليات المغلقة غير القابلة للانفتاح العالمي أو كونية الثقافة، وابتعادها عن صراعات الحروب البشرية الدموية لتعزيز فكرة التنوع الثقافي وتجانسه محليًا وعالميًا. ليبقى بمنأى عن الصراعات التي تجرد الإنسانية من الانفتاح الثقافي، ولغة السلام النابعة من العقل المدرك للتكامل الإنساني المشترك أو الهوية الثقافية الحريصة على لغة ثقافة السلام.

الحصول على هوية ثقافية هو جزء من كل لفكرة السلام الثقافي التي ينبغي التحلي بها أو السعي لتحقيقها. لأن الوعي النفسي المدرك لأهمية محو الصراعات المسلحة، والتي تتسبب بالكثير من الخسارات البشرية قبل الثقافية، وتؤثر على النمو الثقافي بعيدًا عن لغة الإحصاءات. لأننا إن أجرينا إحصاءات للنمو الثقافي، لعرفنا قيمة الكوارث الثقافية التي تحيط بنا من كل الجوانب الإنسانية ومفاهيمها التي تتشوه أثناء الحروب، وما تنتجه من أدب وفنون وفكر سياسي وفكر تربوي، إلخ.

تهيمن العولمة الثقافية على العالم، ولكن هذا لا يعني أنها عولمة سيئة بقدر ما تعني أن الفعل الثقافي في كل زمن هو فعل عطاء إنساني بحت إن تجرد من مصالح الدمار الثقافي، أو بمعنى آخر الحروب الثقافية التي تشن بأسلحة الوعي والإدراك، والتقدم نحو بناء عالمي للإنسانية من خلال الانتقال عبر مراحل تجمع الإنسان في كل زمان ومكان على مبدأ ثقافة السلام وتنمية القوة الثقافية القادرة على متابعتها الأجيال بتحديث متطور قابل لنظريات وأبحاث لا تقل أهمية عن تلك الأبحاث العلمية النووية التي تأخذ البشرية نحو منعطفات إن لم يتم تداركها ستجرفنا نحو الهلاك البشري الذي يعيدنا إلى البدء الكوني للبشرية، فلا يمكن لثقافة أن تموت وتولد أخرى دون تطور في الوعي الثقافي الذي نحتاج إليه. ليكون بمثابة المضاد الحيوي للحروب ولغة الأسلحة والدمار الشامل وما إلى ذلك من تعابير نسمعها كل يوم آلاف المرات، بغض النظر عن المساواة الاجتماعية والاقتصادية واللغوية. خاصة ونحن في عصر شبكات التواصل الفضائي المفتوح على كسر المستحيل والقدرة على تحقيق العدل الثقافي، وإن أرخى الثورة المميتة بظلالها على الأرض العربية.

الهوية الثقافية هي هوية حسية غير مادية مفتوحة عالميًا لتكون ضمن زرع المفاهيم الإنسانية جمالياً. لتساهم في بناء الإنسان الجديد دون ترسيم الحدود له للخلق والإبداع والإيمان المطلق بقدرات الإنسان على محو الحروب، والبدء بمرحلة ثقافية منتجة للإبقاء على العقول المفتوحة والأذهان المتطلعة إلى لغة تجمع الثقافة تحت مظلة الإنسانية، والأدب المصاحب لها، والنتاج الفكري المؤدي إلى استثمار طاقات الإنسان لأبعد الحدود بعيدًا عن الكلاسيكية أو المنطق الثقافي غير المأسور لدين أو عقيدة أو فروقات بشرية أو عرقية، بل احترام الإنسان وثقافته والسعي لتطورها نحو الأفضل. مما يحقق للطبيعة الإنسانية حقوقها من خلال الحصول على العدل الثقافي، وإن اتخذ كلامي هذا صفة المدينة الثقافية الفاضلة، إلا أنه يحقق نوعًا من رؤية هي تخطيط ثقافي لننجو من مهاترات سيئة الفهم ثقافيًا تضعنا تحت المستوى الثقافي المطلوب لنتحدى صناع الحروب.

اختلافنا الثقافي مع الآخر هو الدافع التحفيزي الأكبر الذي يجعلنا نبحث عن ماهية الاختلاف، وبالتالي الاهتمام المدرك بهوية الآخر الثقافي يعكس قيمة التنوع الإنساني في المجتمعات التي تمتلك الأهداف الثقافية المشتركة مثل تبادل الأفكار وقبول الآراء المختلفة ودراستها، مثل الإنتاج الأدبي كالروائي والفن التشكيلي والنحت والرقص والموسيقى والفلكلور والآثار وعلم العمارة، وكل ما من شأنه أن يجمع الإنسانية ضمن الخلق والإبداع بعيدًا عن صناعة الحروب والصراعات الدموية، والاحتفاظ بالهوية الثقافية كلغة مشتركة تحافظ على جمالية الثقافات المتبادلة المرتبطة بالمجتمعات بشكل عام، وبتنوع يميل إلى الانصهار والتجانس مع الآخر. لتشكيل معرفة إنسانية هي مجموع ثقافات متنوعة في كتلة واحدة تعني محو الحروب واستبدالها بالتنوع الثقافي، وبالتالي ولادة ثقافة السلام.

هل من حروب مسلحة وقعت ولم تؤثر على المسار الثقافي الإنساني؟ وهل من ثورة قامت ولم تترك أثرها على الأدب والفن والفكر، وبالتالي على أجيال ورثت هذا النتاج وانتفضت، ومن ثم وقعت تحت فريسة التوارث المتصارع عليه جيلاً بعد جيل، لتحقيق الانتصارات الوهمية التي تزيد من تخلف الإنسانية ووضعها ضمن العودة إلى البشرية الأولى بصورة حديثة، بمعنى ضمن اختلاف الأدوات فقط؟ وهذا لغز الحروب المستمرة في العالم، كأن الثأر الزمني هو لغة التواصل للحروب وصناعها الذين يضعون لغة الانتقام من الأهداف الدنيوية، وليست الحياتية. وما الحرب إلا دنيا وما الثقافة إلا حياة، وإن كانت الحروب الثقافية هي الأقوى، إلا أن أدواتها تتصدى لبعضها البعض ضمن المفاهيم والقيم التي تطغى على بعض. وضمن ميزان الثقافة الإنسانية التي لا يمكن أن تقتل الإنسان وتشرده وتبتر من أعضائه أو تجعله مشتت الفكر وبهلوسات لا تؤدي إلا لخسارة الإنسان وخسارة التراث المبني على وهمية الاسترجاع، بينما الذاكرة الثقافية هي الذاكرة التي تعيد تحديث نفسها بنفسها كلما تم تدميرها، لأنها تتطور تلقائيًا بعيدًا عن التلوث والصراعات الدموية التي يخسر فيها الإنسان وجوده. فأين نحن على خارطة الدول المتقدمة ثقافيًا؟ وما هي الحلول التي تجعل الحصول على هوية ثقافية عالمية هي رمز الإنسانية التي تحيا على احترام الثقافات وتنوعها لمواجهة صناع الحروب؟

برؤية أخرى تحديثية تُعد الثقافة واحدة من أقوى الأدوات التي يمكن أن تتجاوز الحروب وتحديات الدول الكبرى، فكلما تعمقنا في فهم القوة الثقافية، اكتشفنا أن لها تأثيرًا عميقًا على بناء الهويات وتشكيل الرؤى. وفي عالم اليوم، حيث تندلع الحروب والصراعات بشكل متكرر، يصبح من المهم إعادة تقييم دور الثقافة في التعايش والتفاهم بين الشعوب.

تساهم الثقافة في تعزيز الهوية الإنسانية من خلال خلق مساحة للتفاعل والتبادل الفكري. الثقافة ليست مجرد مجموعة من العادات والتقاليد، بل هي أيضًا وسيلة للتعبير عن القيم والمبادئ الإنسانية التي تُعلي من شأن التفاهم والاحترام المتبادل. من خلال الأدب، والفنون، والموسيقى، يتمكن الأفراد من نقل تجاربهم وآرائهم، مما يساعد على تكوين وعي جماعي يدعم العدالة الاجتماعية والسلام.

تاريخيًا، أثبتت العديد من الحركات الثقافية قدرتها على توحيد الشعوب وتحفيزها على مواجهة الظلم. على سبيل المثال، كانت الفنون، مثل الشعر والموسيقى، من أدوات المقاومة في فترات الاحتلال والحروب، حيث استخدمها الناس لتوحيد صفوفهم ولتأكيد هويتهم الثقافية. إن هذا الاستخدام للفنون يجعلها جزءًا لا يتجزأ من النضال من أجل الحرية والعدالة.

ومع ذلك، يواجه العالم اليوم تحديات جديدة نتيجة للعولمة الثقافية. فقد أدت هذه الظاهرة إلى انتشار بعض الثقافات على حساب أخرى، مما قد يسبب فقدان التنوع الثقافي. لذلك، ينبغي أن نتبنى مفهوم "العولمة الثقافية المتوازنة" التي تعزز من الثقافات المحلية وتساعدها على التكيف مع التغيرات العالمية.

يمكن أن تُعتبر العولمة أيضًا فرصة لإعادة تعريف الهوية الثقافية. فعندما يلتقي الناس من خلفيات ثقافية مختلفة، يمكنهم تبادل الأفكار، مما يؤدي إلى تنوع ثقافي أكبر. ومع ذلك، يجب أن يتم هذا التبادل بحذر، مع الحفاظ على الفهم العميق للأبعاد الثقافية والتاريخية لكل مجموعة.

يمكن أن يلعب التعليم دورًا محوريًا في تعزيز القوة الثقافية. من خلال مناهج تعليمية تركز على القيم الثقافية والتاريخية، يمكن إعداد جيل جديد يكون مدركًا لأهمية التنوع الثقافي والتفاهم بين الشعوب. التعليم الذي يُعزز من التفكير النقدي والوعي الثقافي يمكن أن يكون سلاحًا قويًا في مواجهة التطرف والعنف.

يتعين على المناهج التعليمية أن تشمل موضوعات تتعلق بالثقافات المختلفة وتاريخها، مع التركيز على كيفية تأثير الحروب على تطور هذه الثقافات. إن تعميق الفهم لهذه الموضوعات يساعد على بناء وعي جماعي يقدّر التنوع ويعمل على خلق مجتمعات أكثر تسامحًا.

تعتبر الفنون من أقوى وسائل التعبير التي يمكن أن تلعب دورًا فعالًا في التغيير الاجتماعي. عبر الفنون، يمكن للأفراد أن يتناولوا قضايا مثل التمييز، والحروب، والفقر بطريقة تجعل المجتمع يتفاعل مع هذه القضايا. الفنون ليست فقط للترفيه، بل يمكن أن تكون أداة للوعي والتحفيز على العمل.

على سبيل المثال، يمكن أن تسهم الأفلام الوثائقية، والمسرحيات، والمعارض الفنية في تعزيز الوعي حول قضايا معينة، مما يحفز الأفراد على المشاركة في الحوار العام. الفنون تملك القدرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، مما يجعلها وسيلة مثالية لنشر الرسائل الإنسانية.

إن التعاون بين الدول في مجال الثقافة يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية في مواجهة التحديات العالمية. من خلال تبادل الأفكار والممارسات الثقافية، يمكن أن نخلق شبكة من الثقافات المتنوعة التي تعزز من الفهم المتبادل. على سبيل المثال، يمكن أن تسهم المنظمات الدولية في دعم الفنون والثقافات المحلية من خلال تقديم المنح، والمساعدة في تنظيم الفعاليات الثقافية. هذه المبادرات لا تعزز فقط من الهوية الثقافية، بل تساهم أيضًا في تعزيز الاقتصاد المحلي من خلال السياحة الثقافية.

في ختام هذا التحليل، يمكن القول إن القوة الثقافية تُعد عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات التي تطرحها قوى الدول الكبرى وصناع الحروب. من خلال تعزيز الهوية الثقافية، وتعليم الأجيال الجديدة، واستغلال الفنون كوسيلة للتغيير، يمكننا أن نبني عالمًا أكثر تسامحًا وتفاهمًا. الثقافة ليست مجرد أدوات أو مواد، بل هي جوهر إنسانيتنا التي يجب أن نعمل على صونها وتعزيزها في وجه أي تهديد قد يطرأ. إن تعزيز الثقافات المتنوعة والتواصل بينها يمكن أن يكون الطريق نحو تحقيق سلام دائم، وتجاوز آثار الحروب والصراعات، وبناء مستقبل مشرق للإنسانية جمعاء.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com