تحطيم القيم الموضوعية بعض مظاهر أدب الحروب

ضحى عبدالرؤوف المل

يتطلع الكاتب إلى الكفاءة الأدبية أو الفنية وخصوصيته القادرة على تحطيم القيم الموضوعية، كهدف يترجم من خلاله مظاهر أدب الحروب الذي يقوده إلى العمل الأدبي المشترك بالحدث والمعاناة والتنافس المؤدي إلى إعادة تنظيم الرؤية بعد فترة من الزمن، ونفعية كل ما يتعارض مع تطلعاته الذاتية ناسفا الموضوعية بعد تحويلها إلى ذاتية معتبرا نفسه المدافع الأول عن الإنسانية في أثناء الحروب التي تشن بوحشية كثورات الربيع العربي، ومن قبلها الحروب العالمية، وما أنتجته من أعمال أدبية وفنية تعكس قيمة المواقف البارزة في تصوراتهم أو سردهم وغير ذلك، كظاهرة نفعية تميل إلى البحث عن السلام المفقود أو إلى الخلاص من وحشية الأحداث التي يكتب عنها أو يصورها أو يرصدها رصدا تقريريا يمثل ذروة الانتهاكات عن القيم عامة، والدور الأدبي الإيجابي الذي يمارسه بهدف التعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية والإنسانية والفكرية والدينية، باختصار كل ما من شأنه خلق رمزية أيديولوجية ذات خصائص ثقافية رافضة لأدب حروب هو نوع من اللجوء إلى فك شفرة الحروب، وإظهار شراستها عن طريق ترجمة كل ذلك من خلال العمل الأدبي أو الفني والمصطلحات المختلفة للوصول إلى خلق وجهات نظر انطلقت من تحطيم القيم الموضوعية، واستبدال الذاتية بها، أو بالخصائص الواقعية وتحويلها إلى رمزية غالبا ما يكون اللجوء إليها لحماية النص الأدبي.

اللامعقول في الصراعات، والقتال الشارعي الضيق والشهادات الحية لكتاب يسكنون الحرب ويبحثون عن الحدث الأبرز لشراسة الحرب وضراوتها، لتكتب وفق زاوية رؤية يجعلون منها الملجأ الحقيقي الذي يراقبون منه الأحداث التي تستحوذ على نسيج الفترة المؤلمة من حروب تتكون بصماتها في قصة أو صورة أو رواية أو لوحة أو مسرحية أو حتى عبر مفردات إن جمعناها نجد أنها تكرار في أدب الحروب عبر العصور جميعها مثل ( المجاعة، الحروب، الاستبداد، الظلم، القتل، الدمار، الاستغلال، الديكتاتورية، المحسوبية، الفساد، الاغتصاب، الوحدة الوطنية ، تحقيق الاستقلال، الانتفاضة) والكثير من قساوة إنسانية أو همجية بشرية تتصادم مع بعضها من وجهة نظر ذاتية لكاتب يشحن العاطفة أو يستبدل بها عقلانية جامدة أو رؤية من زاوية واحدة أو جزء من مشهد بسيط ، كأنه يمارس لعبة استرداد الحقوق الصامتة من خلال فن الكتابة المقاومة للحروب، ولو كلعبة ذهنية لها قواعدها من عقدة سلطوية أو لوجستية في تكنيك ذي وظائف سردية تشبه الخوض في معارك مستمرة، تتجاوز الهدف، وترمي إلى إظهار قوة الحروب الواقعية على أرض الأدب الممهد لدمج عناصر الصراع في نزاعات يتم تحويلها إلى مواضيع أدبية تنجح في حينها، ويمسك بها التاريخ لتكون مرجعية لأجيال معاصرة تقرأ الحروب عبر الأدب والوسائل الفنية المرتبطة به. فهل من ثقافة لعنف لا يمكن محوه حتى الآن؟ وهل من ثقافة معاكسة لأدب الحروب ودوره العالمي في إبراز الجرائم بحق الشعوب المستضعفة؟.

إن تمكين العمل الأدبي المتأثر بالحروب هو نتيجة انفعالات ذاتية لا علاقة لها بالمنتج الاقتصادي للكتاب، لأنه نتيجة ظهور الحروب المفاجئة على الساحة، ولا سيما العربية كثورة الربيع العربي، وما أنتجته من أدب وفن وغير ذلك، وهي حالات إبداعية كتابية ولدت عنوة من بطن الحرب دون تكريس حقيقي لأدب تفجر بمرحلة الحروب التي أضفت على الروايات نكهة الظلم والاستبداد، وفظاعة الوضع الاجتماعي ، حتى السياسي المتردي، مما جعل الارستقراطية الأدبية في نزاع مستمر مع الانعكاس الطبقي، ومنطق الأدب المستقل عن التصنيف، لكن أدب الحروب له ميزة ذاتية لا يمكن استنكارها أو وضعها ضمن الرواية التقريرية أو الصورة الإخبارية الناقلة للخبر من وجهة نظر الجهة القارئة له، لأن البعض منها متخيل من واقع مرير تعرض له، وترك فيه بصمة تفاصيل صغيرة التقطها من لب الحدث، ولم ينتبه له البعض، وبالتأكيد أن استقلالية الجمالية الأدبية لها معاييرها حتى في أدب الحروب، واجتياحه العصور حتى الآن .

لا يمكن وضع أدب الحروب تحت مسميات السلطة الكتابية والتسييس الأدبي، لأنه نابع من ذات الكاتب، بمعنى أنه يتكون وفق رؤيته الحيوية للنشاط الاجتماعي والأدبي في أثناء الحروب، وإشكالية النشاط الفكري الذي يثور مع الأوضاع السيئة التي تعم البلد أو المكان أو الإنسان دون فقدان هوية الذاكرة المؤلمة للحرب، كما في روايات غسان كنفاني أو سلوى البنا أو مروان عبدالعال أو هوشنك أوسي أو إلياس العطروني وسواهم، ممن استعادوا مشاهد الحروب، وحقيقة المعاني التي تتجاوز الواقع، وتضعه ضمن التاريخ بلغة أدبية روائية قصصية أو فنية، لأن المؤرخ عمله وضع الحقيقة ضمن الأطر التاريخية بموضوعية، بينما الروائي أو الفنان أو الكاتب يضع النص المكتوب أو البصري ضمن حس الإنسانية عامة .

لا يمكن إلغاء تولستوي من أدب الحرب، أو استبعاد الآخرين من كتاب الغرب في مقالي هذا، وإنما هو استجماع لأفكار تناقش أدب الحروب ضمن تحطيم القيم الموضوعية ولا سيما في هذه الظروف التي تجتاح المنطقة من ثورة ربيعية أنتجت خريف الأدب الأسود المتجهم الذي يتسابق فيه كل من الفنانين التشكيليين والنحاتين والروائيين والكتاب، لوضعه ضمن أدب الحروب، والوقوف وجها لوجه أمام المشهد الدموي بشكل عام، وفي هذا نوع من استكمال الحرب بحرب أخرى هي الباقية، لأنها محملة بالأفكار الأدبية التي من شأنها استخراج الأهداف ووضعها على طاولة الزمن، ليحاكم الاستبداد والحروب والتفاصيل الأخرى التي تتجسد في الحدث الأساسي الذي ينطلق منه الكاتب، ويحاول فيما بعد الخروج منه بدهشة لا تشفي، وإنما تثير الصدور الموجوعة من الحروب، وآثارها على النفس الإنسانية، ولكن يبقى السؤال الأهم في إشكالية أدب الحروب: هل يمكن فصل الأدب والسياسة؟

Doha El Mol