الحياة الاجتماعية في ظروف المناطق الغامضة.
ضحى عبدالرؤوف المل
بلغت ذروة الانتعاش في الحياة الاجتماعية مداها في عصرنا هذا، وما زالت الظروف الجغرافية لبعض المناطق الغامضة تلعب دورها في الحياة، وبدرجات متفاوتة لما تتطلب من تفصيل للتأثيرات الجغرافية الناتجة عن عدة أيديولوجيات منها النزوح الحالي من البلدان المجاورة، ومن قبل الهجرة من القرى إلى المدينة ، والخصائص الفسيولوجية المؤثرة على تمايز الأفراد خلال فترات زمنية مختلفة ولا سيما تلك التي تجسد الانتقال والهجرة والتغيرات في طبيعة الأمكنة والبيئة المرافقة لها، وتمازج الإنسان بها لتحقيق رؤية أوسع للوقائع الحياتية، وضمن الانتقاء الطبيعي المؤثر على الأشخاص، وقوة التكييف مع العوامل التي تساهم بتأمين احتياجاته دون أن تقوض خصوصيته، أو وجوده الجماعي في الحي أو القرية أو المدينة ، كجزء مهم في وجوده المتناغم مع محيطه في ظل الظروف غير المستقرة كالانتقال من مكان إلى آخر، وتأثيرات الأمكنة على الإنسان من ناحية بؤسها وفقرها، أو من ناحية تنميتها وقدرتها على خلق التطور المعيشي أو البيئي أو المعرفي والثقافي .
التفاوت الطبقي في المناطق يقودنا جغرافيا إلى البحث عن مفاهيم أساسية لزرع ثقافي منتج يتجلى فيه الوعي الاجتماعي، ولا أريد هنا أن أقول السياسي، لأن الثقافة المنطقية تكشف ما وراء هذا التفاوت، وتغذي الوحدة المعيشية بين الجماعات للتغلب على مخاوفها من التأقلم مع بيئات مختلفة تم النزوح إليها، إذ تعيد تشكيل الفرد، وتنزع عنه الذاكرة من خلال الحصول على هوية مكانية جديدة تفرض عليه أنماطا من العيش تجعله بعيدا عن الانتماء، أو كالمتذبذب بين الفرد والجماعة، للتغلب على تناقضات البيئة التي يلجأ إليها، أو تلك التي تفرض نفسها، ليتواجد فيها كفرد ناشط ضمن طبقة كادحة تمثل توليفة معقدة يصعب فهمها أو اختراقها، لأنها ذات فهم خاص بها من ناحية معيشتها وسلوكياتها وفهمها للحياة، وهذا يؤثر على وزن الأحياء الفقيرة على الحياة الاجتماعية بشكل عام .
الأحياء العشوائية أو التجمعات البشرية ضمن المدن والقرى في المناطق المنسية أو الرازحة تحت العبء المعيشي المتدني، والتي تقبع تحت تأثير وظروف معيشة تجعل من غير الممكن تطورها وفق المعايير الإنسانية وتوازناتها الطبقية تبعا لأصل الفرد وتكوينه العائلي، والوضع الاجتماعي والثقافي غير المرتبط بالأصل العائلي. فهل تعتمد المعرفة الثقافية على البيئة المكتسبة وفقا للطبقات الاجتماعية؟ وما هي التصورات الموضوعية الهادفة إلى تنمية هذه الطبقات الاجتماعية، ولو بعبارات ثقافية بسيطة من خلال الأعمال الأدبية والفنية والأنشطة الثقافية في أحياء ذات صفة اجتماعية يمكن تطويرها الثقافي من خلال المكتسبات المعرفية، وقدرة كل فرد على استيعاب سلوكيات الآخرين ومورثاتهم التي تتناقض مع البيئة الأساسية العامة؟
إن الرموز الاجتماعية والسياسية والأخلاقية وغيرها في أي عمل أدبي هي نتيجة تحليلات لأذواق وقيم فردية تم جمعها من بيئات مختلفة وفق اختلاف الطبقات وقدرتها على التطور، وقبولها للمتغيرات ولو بتفاوت في مسار الحياة الاجتماعية نفسها، تبعا للأماكن التي تكشف عن المستويات البيئية والاجتماعية، والسلوكيات الناتجة عنها لما لها من تأثير فيما بعد على المجتمع بشكل عام، وما الوجود الفطري لإنسان ما منذ ولادته إلا عوامل بيولوجية ووراثية، ومكتسبات تشكل العوامل الأساسية في تكوين شخصيته التي يمكن إجراء بعض الإضافات التنموية عليها من خلال ثقافات يتم غرسها في هذه البيئة التي تشكل صورة تراثية فيما بعد أيضا، وما الزمن إلا تطورات ينبغي أن تترجم نقد المجتمعات لا تأخرها أو تقهقرها، مما يؤدي إلى كوارث اجتماعية لاحقة بدأنا نلحظ تشققاتها وتصدعات لا يمكن إصلاحها إلا من خلال العودة الثقافية التي تعتمد على المعرفة قبل التعلم، وعلى إدخال الضوء الثقافي على الأماكن المظلمة، أو الفقيرة التي تجاهد لتبقى على قيد الحياة.
المناطق الغامضة أو الأماكن المبهمة أو التسلسل الزمني الذي يضع الشخوص فيها ضمن حركة بشرية تطورية من المفترض أنها الجزء الأهم من البناء الاجتماعي في الأحياء الشعبية التي يضعها الروائي تحت منظاره السردي متوسعا بالاستكشاف لفك شفرة المعضلات القائمة الحالية من خلال المقارنات بين الأزمنة القديمة والحديثة، وما يرافقها من تطورات للمجتمع المعاصر ضمن النص الدرامي الاجتماعي، وأهميته في سرد البؤس، أو تمثيل المشاهد الحياتية الواقعية المقتطعة من الحياة للفهم الاجتماعي، وفك الغموض الغائب عن أذهان العوالم الأخرى البعيدة عن هذه الأمكنة الاجتماعية المظلمة أو التي مازالت خلف ستارة مسرح الحياة حيث تتوسع أشكال المعرفة الاجتماعية في العمل الروائي وتمثيلاته الأدبية بشكل أوضح عندما بصبح الكاتب كمراقب اجتماعي أو كمستكشف يلقي الضوء على معاناة الأحياء ذات النكهة القديمة لقارئ يغزو هذا الفضاء الروائي المرتبط بالواقع الاجتماعي الغامض للآخرين، كذلك الهدف الذي يأخذه إليه الروائي لجعل الرواية عبارة عن أداة لمعرفة اجتماعية قديمة ومعاصرة .
إن العرض التاريخي لمسار عائلي في حي شعبي ما هو إلا تفسيرات لظواهر شروخات عائلية تبدأ منذ الولادة ولا تنتهي، إذ تتوارثها الأجيال، فإما أن تنهض بها أو تبقيها في الحضيض، فالعائلة في كل زمان ومكان هي مجموعة أفراد وحدهم الانتماء أو فرقهم اللا انتماء، وما هو قائم اليوم ستكون نتائجه السلبية أو الإيجابية غدا، فمسألة العائلة في الأحياء المنغلقة أو الفقيرة أو العشوائية ليست مسألة فردية، إنما مسألة ثنائية، وتنتقل إلى مرحلة الجماعة قبل التكوين وبعده، وما المشاهد الاجتماعية في الروايات من نجيب محفوظ إلى توني موريسون إلى أرافيندا أديغا حتى الفرنسي بلزاك قديما سوى مشاهد من الحياة الاجتماعية التي تدفعنا إلى البحث عن حلول، لأنها توضح المشهد الاجتماعي الذي يرسم المعاناة والاحتياجات عبر الدخول إلى أماكن غير مستكشفة اجتماعيا، أو رازحة في زوايا ما بعد الحروب، أو المناطق التي تعرضت للدمار، ثم أصبحت منطقة تنتظر عودة من هجرها، ضمن الواقع المرير الذي فرض وجود بعض النصوص الروائية، لتكون سؤالا مفتوحا: أين هذه المناطق من العالم المعاصر؟
Doha El Mol