الحرب والكشف الذاتي لعقد الإنسان

ضحى عبدالرؤوف المل

تفاجئ الحروب الإنسان، لكنها تعني الاستمرارية للسياسات كوسيلة لتحقيق المآرب القائمة على البقاء الآمن بمعزل عن النتائج التي تؤدي إلى المزيد من القتل والدمار والتشرد، بمعنى خلق الحروب في مناطق ما لتبقى الأماكن الأخرى أكثر أمانا واستقرارا أو قدرة على الكشف عن العقد الداخلية التي تشكل الوجود الاجتماعي، وإن كان غريبا هذا الطرح لأن الحرب تكشف عن ذاتية صناعها كقوة عسكرية تستمد من الموت حيوات أخرى، ومن الكفاءة القتالية كفاءة سياسية، في حين أن الحرب لا يمكن أن تنتج الفنون والعلوم والآداب باعتبارها تأكل الأخضر واليابس كما يقال، وبالرغم من ذلك هي تعكس الأحداث وتؤرشفها وتمنحها الزمن الذي تقطعه لتحفظه في كتاب أو فيلم أو لوحة إلخ، وما الطموحات السياسية إلا نتيجة قتالية تحقق الفوز على القوى الأخرى، بالتالي تجعل من العنف مرآة للسلام، كي تظهر معاني فريدة من نوعها، ولو ضمن الاستمرارية في الحروب التي تزيد من عقد الإنسان، وتسحق طموحاته.

الحرب واستمرارية العقد الإنسانية والطابع الدرامي الذي تتخذ منه الأعمال الأدبية والفنية بمعزل عن النهايات التي لا يمكن تصورها، إذ تبرز نيات السلام كفتيلة لحروب مستمرة ، لكن دون صياغة لذلك روائيا أو مسرحيا أو سينمائيا ولا سيما تلك الأفلام التي تنتجها الحروب كجزء من تاريخ مرئي هو إعادة إنتاج لمشاهد الحروب بأسلوب يمثل عبثية العنف والقتل، والفكر الذي يعكس الطموحات السياسية وغرائبها وإسقاطاتها، والقدرة على تنفيذها أو إظهار مدى تقاطعها مع الزمن التاريخي المستمد من الحروب الأخرى التي يعيدها صناع الحروب في مداورة زمنية تؤثر على البشرية، لأنها تأكل الإنسانية وتجترها تحت مسميات عجائبية تزيد من الأمراض النفسية والانحراف السلوكي والانحطاط الأخلاقي، وكسر النظم الاجتماعية المتعارف عليها بل استبدال جغرافي من إزالة وإعادة إعمار بعد فجوات اتسعت وأصبحت تبتلع كل ما تنطوي عليه الوحشية من انهيارات في المبادئ الاجتماعية والثقافية. فهل يمكن عودة الحياة من موت الحروب أم أن البداية الإنسانية من اللا شيء تعني الاستغناء عن أدب الحروب والتركيز على التحليل العلمي والفكري، برؤية ثقافية واسعة تحتاج إلى برمجة الوعي وتخطي أزمات الحروب، وما ينتج عنها؟

تتبرأ الحياة من وحشية الإنسان وقسوته التي تكشر عن أنيابها في الحروب، والإبادة الجماعية التي تحدث كنتيجة قتالية لاعقلانية وبتطرف غريزي لا إنساني يؤدي إلى تحفيز الإحساس بالبقاء أو ما يسمى بحرب البقاء التي تتوهج لإحداث التغيير، ولو من خلال الهيمنة والجشع على فرض السلطة أو القوة التي من شأنها إثارة الهلع والأوهام، وأحلام اليقظة التي ينشأ منها انحرافات متعددة حتى في الفن التشكيلي كالسريالية والدادائية والأدب وغرائبية الموضوعات التي يتم طرحها كهلوسات ذهنية أو حتى المسرحية منها. فهل هناك أسوأ من فعل القتل الذي يمارسه الإنسان على إنسان آخر بغض النظر عن مؤثرات ذلك على الجغرافيا والبيئة والطبيعة، والخلل الكبير في التوازنات الحياتية دون مكابح رادعة، أو حتى قوى أخرى قادرة على التدخل وفرض السلام .

وفق المعنى الصحيح للحرب والكشف الذاتي لعقد الإنسان منها التنافس والطمع والجشع والضعف، وإبراز القوة وصولا إلى تحقيق المكاسب المادية والسلطوية، إضافة إلى الفخر وتحقيق الفوز بالأنا العليا، كل ذلك يؤدي إلى الحروب ومحاولة الفوز بها دون التفكير بالعواقب الوخيمة التي تقع على عاتق الإنسانية وانهياراتها، وانحدارها نحو البشرية الأولى، أي قبل خروج الإنسان من المرحلة البشرية إلى الإنسانية، وكل ذلك يترافق مع الخوف الذي يصعب التحرر منه فيما بعد، ليصل إلى مرحلة الفوبيا، وهذه أبسط حقوق الإنسان في المجتمعات ألا وهي التخلص من خوف الحروب والقتل، وهذا الحق الطبيعي في الوجود الآمن والمستقر، ليحيا الوعي الإنساني في بيئة تؤمن له الاستقرار النفسي للتنفس من خلال الدعم الإنساني والأخلاقي دون بث الكراهية والخوف، للدخول في القتال أو الاشتراك بمعارك ضد الإنسانية لا تؤدي إلا للمزيد من العقد النفسية الناتجة عن الحروب ومخلفاتها، وهذا ما نجده عند الكثير من الرسامين الذين خرجوا من حالات الحرب وعقدهم النفسية منها بالرسم واستخراج المكنون النفسي بالفن التشكيلي .

للطبيعة البشرية جوهرها الإنساني، وهذا ما نلمسه في أعمال الأدباء والشعراء والفلاسفة والمفكرين الذين يخوضون معاركهم بحروب أكثر انفتاحا واتجاها نحو الوعي، وهو اكتشاف الطبيعة البشرية الميالة إلى الدخول على المجتمعات بكونية عالمية دون التقييد بالتخطيط المسبق لاستراتيجية الحروب القائمة على الأسلحة، وتنظيم الجيوش وغير ذلك، فالحالة الطبيعية للفكر الإنساني هي تشكيل الفكر بعيدا عن العقد النفسية الناتجة عن الخراب والدمار والاقتتال الناتج عن التهافت على الموارد للاستيلاء على خيرات الطبيعة أو لإرضاء الذات، وتحقيق الكثير من المكاسب على حساب أمن المجتمعات الإنسانية الميالة إلى الاستقرار والازدهار والعيش بجمال وسلام، وإن كان هذا من المستحيل في ظل التاريخ البشري المحمل بالحروب وخراب الحضارات، وبناء حضارات أخرى ما هي إلا تكرار للطبيعة البشرية الميالة إلى الحروب التي من شأنها زرع الرعب والخوف، وبث المزيد من العقد النفسية عند الإنسان التي يصعب التخلص منها حتى في الأعمال الأدبية والفنية الشاهدة على ذلك منذ الحروب العالمية حتى الحروب العربية، أو ما يسمى بالثورات العربية .

ما من حروب عادلة عبر التاريخ، والخسارات الكبرى هي الإنسان صاحب العقل والوعي الذي يتم تدميره تاريخيا بحجة الأمن والاستقرار، والدفاع عن النفس والمعتقدات وما إلى ذلك من أسباب، وعبر الحروب المستمرة منذ قابيل وهابيل حتى الآن، وعبر الحكايات والأساطير وحروب الآلهة، وصولا إلى الروايات الناتجة عن الحروب أو الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى الخيال، وكل ما من شأنه أن يمحو الحرب بحرب أخرى تحفظها الكتب والأعمال الفنية، لتصبح مادة خصبة لحروب من نوع آخر هي الشاهد على الانتهاكات الإنسانية التي تجسد بطبيعتها وحشية الإنسان، وعقده النفسية والبعد عن معايير العدل أو وسطية النزاعات و التوازنات غير القابلة لميزان العدل، أو لوضع قوانين الحرب والسلم، وبالتالي يبقى الإنسان هو الخاسر الأوحد، وهو الذي يصاب بالعقد النفسية التي يصعب الكشف عنها إلا من خلال الأدب والفن، وما تحمله الثقافات من تهجين لمؤثرات الحروب على الأعمال الأدبية والفنية، وما تخلقه من تيارات ثقافية مفتوحة على عدة عناوين، منها القوة الثقافية في التحدي الراهن.

Doha El Mol