رمزية أدب الحرب في كشف دواخل الإنسان

ضحى عبدالرؤوف المل

تساعد الحروب في إيجاد بيئة حاضنة للكتّاب الذين يبحثون عن أكثر من إلهام بيئي اجتماعي سياسي أو تاريخي، ضمن مناخات محددة هي الأكسير لاستمرارية التأثيرات على الفكر المشحون بالبؤس والأوجاع ، والرؤى التحليلية القائمة على الأحداث وتحليلها، أو انتقادها أدبيا وفنيا وسياسيا حتى تاريخيا كالأدب الذي نتج عن الثورات العربية، ومن قبل ذلك عن الحرب العالمية الأولى والثانية وبحيوية مأساوية للكثير من الأحداث التي تجري ضمن الحروب، حتى عبر فن التصوير الفوتوغرافي بأنواعه، وقوة الصورة في نقل الخبر، إضافة إلى الفن التشكيلي والروائي والقصصي والإبداعي بشكل عام .

دوافع كثيرة تحفيزية تمثل الكينونة الأساسية التي تدفع بالمهتمين بالأدب والفن إلى الكتابة أو الرسم أو السيناريو أو المسرحيات أو الأغاني وغير ذلك من الأعمال الفنية القادرة على ترجمة مساوئ الحروب العظمى أو الحروب التي تؤدي إلى تغيرات جغرافية وبشرية، كالتهجير والكوارث الناتجة من ذلك، والدمار والقتل والتشتت، والتجرد من الحس الوطني، إضافة إلى الإنسانية ومعانيها والبحث عن السلام، رغم انتشار الموت والقتل واندثار المعالم الأثرية، إضافة أيضا إلى المكتبات وزوالها والمشاهد المرتسمة في صور أو على صفحات الجرائد والتواصل الاجتماعي، وكل هذا يؤدي إلى تنشيط الأفكار الأدبية للكتابة عن هذه الأحداث بما ينبغي، أو كما يجب لتوثيق أو حفظ أهوال هذه الحروب، لتبقى ضمن ذاكرة الأدب المعاصر أو الفن المعاصر، فضلا عن الأثر النفسي التي تتميز به، كرواية الغرانيق للسوري مازن عرفة، أو روايات لبنانية كعروس الخضر للروائي إلياس العطروني، أو عراقية كفرنشتاين في بغداد، والأمريكان في بيتي، والنحت كمنحوتات العراقي محمد مراد العبيدي وبسام كيرلوس، ولوحات إبراهيم أبو الرب، والكثير مما يصعب ذكره أو القيام بإحصاء عناوين دقيقة، وبحساسيات تختلف تبعا للرؤية التي تتكون في دواخل الأديب أو الفنان أو الإنسان بشكل عام .

تتبلور المعاناة الإنسانية في أثناء الحروب في أشكال عديدة تتجاوز الشخصية، وتبقى ضمن الجماعات ووجهات النظر المختلفة من الحروب، وتتراوح بين المؤيد والمعارض، وفي الحالتين يرافق التدهور الإنساني الأعمال الأدبية والفنية، ويمنحها صورة تاريخيه مليئة بالمعطيات، كأدب الحروب وفنونها، لتبقى كشاهد على عصر الحروب، وما رافقها من تشويهات فكرية وإنسانية وأدبية، والكثير من التفاصيل المصاحبة لذلك من ذكريات مرضية وأوجاع نفسية، وتلوثات بصرية وسمعية ذات مؤثرات يستشهد بها التاريخ، ويضعها ضمن المحفوظات المؤرخة لحقبة زمنية من حروب هي الدافع الأساسي للكثير من التغيرات الأدبية والفنية، والسياسية والاجتماعية التي من شأنها تفجير دواخل الإنسان وترجمة أوجاعه وآلامه وبؤسه بشتى الطرق النفسية التي تعيد إلى الواقع الحي تفاصيل الحروب والأحداث التي تركت ندوبها وجراحها في الإنسان وبيئته وآثاره وذاكرته الأدبية والفنية .

لا يمكن لرواية ما أو لوحة ما هي جزء من مشهد لحرب وقعت على أرض أن تكون بمصداقية كاملة بعيدة عن الميل نحو جهة معينة، بمعنى أن العمل الأدبي والفني المتأثر بالحروب هو رؤية فردية للكاتب أو للفنان أو للمحلل السياسي، وإن حملت في طياتها تفاصيل تؤرشف لأمكنة اندثرت، وتحولت إلى رماد، أو تزينت بمعايير أدبية أو فنية جعلتها قطعة تستحق التصفيق، لقدرتها على الجمع بين الأدب والفن وشتى المواضيع الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية، وبين شهادتها على العصر كمنحها إعطاء شهادة تاريخية كونها جسدت مرحلة هي رمزية على حساب كلمة أدب الحروب، وما ينتج عنه من شهادات تفرض على التاريخ الأخذ بها، وإن كانت ضمن عمل أدبي أو فني يعيد صورة الحرب في الأذهان، ويتركها في خلود بغض النظر إن كانت تمثل الكل وهي الجزء أو الأجزاء مجتمعة، لتشكل ذاكرة لأدب الحرب كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وكما حدث بعد الحروب المتفرقة في لبنان وسوريا وما إلى ذلك.

يميل كل إنسان في طيات نفسه إلى الاحتفاظ بالأحداث المؤثرة به إلى تخليدها، لتبقى في ذاكرة الشعوب كما يحدث بالأدب الفلسطيني وبالفنون الفلسطينية ، حتى تلك الحكايا الشعبية التي تتناقلها الأجيال، أو الأمثال الفلسطينية الخاصة قبل الحرب التي قامت على أرض فلسطين، وتسببت بالتشرد والشتات، وحملت الكثير من القساوة والشعور بالانتهاكات كروايات غسان كنفاني وقصائد محمود درويش، إضافة إلى المعاصرين وتمسكهم بالقضية وذاكرة حرب 1948 حتى الآن، لتصبح القضية النموذجية بين الحروب العالمية كلها، وهي الحرب الحقيقية التي تتطور وتجعل من الأدب والفن في رمزية ممتدة بين لوحة وألوان ورواية وسرد، ومسرح وتفاعل حيوي، وقبل كل شيء هي الدواخل الإنسانية التي تعيد حكايات الحروب وتتمسك بها، ليتم أخذ العبرة وتحويل المخاوف السابقة إلى حرب من نوع آخر هي حرب تاريخ وذاكرة مجسدة في أعمال الأدباء والفنانين قبل سواهم .

حروب لا نهاية لها، وأدب هو رحلة لا تنتهي بين الحرب والسلم، والتغذية القائمة على الإرث والشعور بالواجب تجاه الحياة، وبأننا نحمل أنفسنا واجب حماية التاريخ من الاندثار، أو إيصال الصرخة إلى الأجيال الجديدة التي غادرناها، وتركنا لها الإرث الأدبي والفني الذي طالما جعلناه ساحات من الحروب الممتدة، وإن انتهت الحرب في مكان ما وبدأت أخرى، كما حدث في الحرب اللبنانية، ويحدث في الحرب السورية، وما النتاج الأدبي والفني بعد حرب لبنان إلا الإرث الموجع، وكذلك بالحروب الأخرى التي تشكل صدمات متتالية على الكتاب والمؤلفين المسرحيين والسينمائيين، وبطريقتهم الخاصة في تجسيد كل ما يسمح للثقافة من انتشاره بين صفحات الكتب، أو على أقمشة اللوحات أو على المسارح أو على الشاشات أو حتى عبر الغرافيتي على الجدران، وحاليا عبر صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، وقدرتها على الأرشفة ودخولها مضمار رمزية أدب الحرب، ودوره في كشف دواخل الإنسان.

Doha El Mol