مبدأ الصدمة وسقوط الإنسانية في متاهات الحروب.
ضحى عبدالرؤوف المل
تطور التاريخ الحديث والمعاصر في أوروبا بعد الحرب العالمية، واتخذ طابع التطور منهجا استمراريا دون تباطؤ في الحركة التصاعدية نحو الخروج من الأزمات بعد التأثر من مبدأ الصدمة، وسقوط الإنسانية في متاهات الحرب العالمية، والخطوات الحاسمة التي كان من شأنها إنهاء هذه الحرب بعد التوترات التي طالت الرؤوس، وأوقعت الكثير من الضحايا بعدسات مصوري الحروب كفرانز ادامز وغيره، وما كان لأوروبا الحديثة أن تتطور ما لم تسقط الإنسانية فيها في أتون الحرب، ونيرانها التي حصدت مساحات فكرية وإنسانية وطبيعية، خسرت من خلالها أوروبا أدمغة قوية إلى جانب الصراعات التي هددت السلام، وجعلتنا حتى الآن نبحث عنه في ظل الثورات القائمة، ذلك أن الشعوب منذ القديم لم تكن ترعى الأهداف الإنسانية في تطورها ونموها مهما كانت النتائج، أو العواقب الوخيمة التي من شأنها وضع الإنسان في الدرك الأسفل من اهتمامات الدول التي قامت فيها الحروب، أو تلك التي كانت الملعب الأساسي للسياسة التي أكلت الأخضر واليابس، وأدت فيما بعد إلى التطور بنسبة عالية، بصرف النظر عن الحركات النازية والنضال الضاري في ظل الصراعات التي حددت المصير، واستطاعت تغيير الحدود التاريخية والسياسات وأولياتها في وضع الأسس الحديثة التي تخلفنا عنها عربيا، وتخطتها أوروبا لتصبح في مصاف الدول القوية .
صراعات طبقية سياسية جرفت في ذلك الوقت بسيولها كل قديم، ووضعت الأسس النهضوية لقيام مجتمعات جديدة نتجت من مبدأ الصدمة هذا، وفسحت المجال أمام القضايا الاجتماعية، لتبرز كواحدة من العناصر السياسية التي من شأنها تقوية الأهداف الشعبية المساعدة في ترسيخ القاعدة الجماهيرية التي تتيح للسياسة إثبات وجودها، والخروج من الأفكار السياسية التي كانت سائدة آنذاك، لنشهد على ولادة تاريخ جديد متزين بمنظور تتعايش فيه كل الفروع المتناحرة، ولو باحتفاظ ضمني بالمسببات التي أدت إلى ذلك أو الصحوة القوية، والبحث في مسألة التوسع العالمي الذي نشهده حاليا بعد بروز عدة صراعات شبيهة بالصراعات التاريخية التي كانت قائمة، وجعلت من أوروبا الحديثة قارة يصعب منافستها في ظل كل هذا التخلف التاريخي أو الحضاري أو الإنساني الذي أصابنا، وجعلنا بحاجة لمبدأ الصدمة، لكن دون الوقوع في خسارات إنسانية نفتقد بعدها القدرة على بناء الإنسان .
تغيرت مسارات الأمور بعد الحرب العالمية، وتركت للإنسانية جروحا لا يمكن الشفاء منها، لأن كل ما من شأنه أن يؤرخ لفترة سوداء هي بمثابة تفجير لحدث مخالف لعهود الإنسانية التي عكست المعايير، وجعلت من الدول التي كانت على الخط التصاعدي في هبوط حاد، بعد أن كانت تؤجج الحروب، وتفتح أبواب الفتوحات أو الاحتلالات، هذا عدا الإصابات التي جعلت من الإنسان ينزف، ويتمزق ويتشتت ويصبح بهوية ضاعت فيها أخلاقيات الإنسان، وأصبحت الأخلاقيات البشرية تميل إلى العنف والاقتتال والتعدي على الحقوق، وجعل التاريخ يحفل بالمعارك التي تدين الإنسان، وتجعله تحت مبدأ الصدمة يعيد بناء المجتمعات الإنسانية التي ما زالت تفتقد للسلام. فهل ما زلنا نحمل بذرة الحروب العالمية التي قامت؟ وكيف تمت تسوية النزاعات بعد زمن حافل بالهتلرية ذات الطابع المأساوي الذي أسقط الإنسانية، وأوقعها في فخ الحروب المتواصلة التي قضت على السلام؟ ومن هم صناع الحروب؟ وماذا أرادوا من مبدأ الصدمة؟
يبدو أن أحداث الحرب العالمية جعلتنا نفقد الوعي، وبالتالي لا نستطيع تقييم الأحداث كما ينبغي، لأننا ما زلنا بحاجة لمبدأ الصدمة بعد الوقوع في عدة حروب لم نستفق منها، فما زلنا في ظاهرة اجتماعية تنحدر نحو الانقسامات التي تتخذ عدة هويات، أبرزها المذهبي والعقائدي والرأسمالي والارستقراطي والاشتراكي، وما إلى ذلك من مسميات ولدت بعد الحرب العالمية بشكل كبير، ومن الضروري أن تقوم حضارة عالمية من شأنها رفع المستوى الإنساني باحترامه للثقافات المشتركة دون الولوج في خلافات تدخلنا في حروب تقضي على الإنسانية أكثر، وتجعلنا في تخلف مستمر لم يحدث في التاريخ من قبل، فهل من زمن نازي جديد بات خارج سيطرة البشرية التي فقدت إنسانيتها في ثورات الربيع التي أدت إلى مزيد من الانقسامات على الصعيد الإنساني .
متى تصبح العلاقات الإنسانية الجزئية علاقات دول كاملة تجمع الإنسانية في عالم تلغي البشرية فيه عقائدها السابقة ؟ سؤال هو بحد ذاته يشكل مبدأ الصدمة لنا، إذ نفتقد المنطق العالمي تاريخيا، وما يسمى بثمرة جهود هتلر في التوسع العالمي هو إخفاق ناتج عن ديكتاتورية العلاقات السياسية، والأنظمة التي تقوم على أسس لا تقدم للإنسان سوى المزيد من الانهيارات التي جعلتنا نبحث عن التآلف العالمي بين الإنسان والإنسان، وخصوصية الفرد في شؤونه العامة والخاصة ولا سيما المتعلقة بالكرامة والحقوق والتمثيل المتوافق بشكل أساسي مع الفهم العام لقيمة الإنسانية .
لنتقاسم حقيقة سقوط الإنسانية في متاهات الحروب علينا أن نلغي الكثير من المفاهيم التاريخية التي من شأنها وضعنا في ثقوب سوداء تتطلب منا الكثير من الجهد للخروج منها فيما بعد، إذ تستحق العقلانية إدراك مساوئ الحروب وسلبياتها التي تمزق الإنسان والطبيعة من حوله بل تقضي على الأهداف الإنسانية بشكل عام.
بلبلة صادمة أوقعتنا تحت تأثيرات القيم المستحدثة من الحروب المؤثرة على الأفكار والثقافات، وبالتالي على النتاج الفني والأدبي، وبرؤية تفتقر إلى التوجيه الإبداعي الذاتي الناجم عن إعادة الإنسان إلى طبيعة مساره بعد الحروب التي تلقاها عبر الأزمنة، وما زال يقبع تحت ويلاتها التي يجعل الإنسان متنافرا مع طبيعته الأصلية التي فطر عليها، وهي حب الخير والسلام ..
Doha El Mol