التقاط المعنى الحسي للألوان
ضحى عبدالرؤوف المل
ترصد الفنانة والشاعرة» باسمة بطولي» (Bassima Batouli) أحاسيس الألوان التي تستعصي على الخطوط من أن تحتويها ضمن قوالبها التشكيلية التي تأبى إلا بلورة المعنى في لوحات هي قصائد الضوء واللون. لما تحتويه من نغمات هي نظم حسّية تمسكها «باسمة بطولي» كعازفة على وتر اللون الذي ينسجم معها، ويمنح اللوحة شاعرية حسّية تعتمد على جزئيات الألوان في امتزاجها من جوانب متعددة في طبيعتها التعبيرية، كفن لتجريد اللحظة من خلال التكثيف والشاعرية معا. لتوليد بقعة ضوئية تنطق بدلالات اللون واتجاهاته الذاتية في اللوحة، وكأنها ترسم لحظات من حياتها الداخلية بذاتية ريشة تنطلق بموضوعية نحو الحياة الأخرى التي تعيشها على الأرض، كحالمة واقعية تتناقض في التقاط المعنى الحسّي لألوان في رؤية أنثوية خاصة هي لامرأة تزخرف موسيقى اللون، وتمنحه زوايا معينة من روحية وجودها، كلحظة وجود تقف فيها بين الضوء واللون. لترسم قصيدة تشكيلية هي لوحة توليفية تندمج مع الحلم والواقع والحقيقة والخيال ضمن معطيات الذهن الفني المتأمل للحظات الضوء منذ انبلاجه حتى سكونه الأخير في دورة الحياة ضمن لوحات تؤثر على جمالية التأمل دون تشتت لما يحمله اللون من قيم فنية وإشارات لشاعرية لا تغيب عنها حبكة الألوان الأخرى.
تمزج الفنانه «باسمة بطولي» مستويات الألوان لتفسح للضوء إظهار لحظة من شاعرية تمثل الجزء الأهم من المشهد الذي تستخرجه بخصوصية فنية لا يمكن فصلها عن أنوثة حاضرة في اللوحة، بشكل قوي كموسيقى الوجود التي تجتزىء منها الألوان النغمية وخصائصها الخاضعة لمزاجيتها النفسية المرتبطة بخلق ماورائيات تترجمها بصريا، كمادة تشكيلية تستنهض بها الحس المتمثل بتدرجات الألوان المتوسطة دون الوصول إلى القوية منها. إلا ضمن صياغة اللون الواحد الذي يمثل تفاصيل أخرى كعصب حياتي يُمثل في أبعاده الأخرى، المحتفظ بكينونة ضئيلة ذات حركة مشهدية تتسق مع التداخل بين اللون والضوء والداكن والفاتح والهدوء والسكينة والصخب. أي ما بين انخفاض وعلو في وتيرة الريشة التي تترك لها دورها في ممارسة التعبير، باتساع فضاءات الضوء نحو الأعلى مع فارق بسيط، وهو البقاء على أرض الواقع، وإنما ضمن الأجواء الرومانسية الدافئة والموسيقى الخالدة التي تحتفظ بها في لوحة تحوّلها إلى معنى واحد هو تقنية فنية تشكيلية ذات بصمة حاضرة تبقي على أنثوية اللون وتضعه ضمن لوحة تكسر جمود الواقع، وتخترق بذاتيتها حدود الحلم. لتجمع بينهما تعبيريا أو تجريديا، وتتخطى المواجع بفرح الألوان والتشكيل المبني على أوزان اللون والضوء والجمع بينهما في مساحة هي اجتزاء لمكان غامض وزمان يتراىء مع الضوء بين فجر أو غروب لإبراز الإلهام أو لحظة انبلاج اللوحة.
تعكس الألوان في أعمال الفنانة «باسمة بطولي» عقلانية النظرة وإن غلب على لوحاتها الطابع الرومانسي، فالتكوين اللوني هو ارتباط الرؤية مع الإدراك والتأثير على مستويات التناغم ونقاوة اللون، وهويته الباردة أو الحارة، باستحضار رمزي للمعنى الجزئي للون الواحد، وتفسيراته الضمنية لديها. لتمنحه للوحة تشهد على مقدرتها الأنثوية في تجسيد الجمال، والسيطرة على الآخر من خلال موسيقى الضوء الخاصة بها أو التصورات الناتجة عن دفء بعض الألوان في لوحاتها الحسية حركياً ضمن الزمن وتنوعاته والوظائف المختلفة. لتنبيهات اللون الواحد لإيقاظ متعة البصر بإيجابية قوية تتسق مع الأحاسيس المحفّزة لقوة الخلق البصري غير اللفظي، وخصوصية الصمت التشكيلي المعزز. لتمايز رومانسي تضعه كتنبيه لوجود المرأة وقوتها في تشكيل اللحظة الجمالية والوجودية في حياة تعيش فيها، وربما! في هذا نوع من التشكيل المرتبط بحبكة فنية تجمع بين قصيدة ولوحة، كازدواجية تشدد على وجود المرأة في الحياة.
قدرة على التميز من خلال رومانسية اللوحة، وما تفرضه الألوان من اجتذاب بصري هو بعد عاطفي لخصائص شخصية تضعها ضمن مؤثرات، كابتسامات الطبيعة التي تركن إليها، وتترجمها في لوحاتها بفرح الألوان كاملة أو بسكونها. لتعميق الحس والتفاعل معه مزاجيا، للشعور بمادية الأشياء من خلال رهافة الإحساس المدرك جوهر المادة، وما ورائياتها ضمن ملامح الألوان ومعانيها لخلق الإثارة البصرية بتنوع المعاني فيها لاستكشاف لانهائي لذاتية الأنثى وارتباطها بالألوان الأخرى، كاستجابة ضرورية في الحياة أو خلق الهوية الأنثوية والذكورية في معنى واحد الرجل والمرأة بين اللون والضوء، وما تترجمه لحظة الجمع بينهما من انصهار لوني هو في لوحة «باسمة» بطولي قصيدة بين الأرض والسماء.
Doha El Mol