حجر في المسافة رواية «زرايب العبيد» للروائية «نجوى بن شتوان»

ضحى عبدالرؤوف المل

دخلت الروائية الليبية «نجوى بن شتوان» في روايتها الصادرة عن «دار الساقي» إلى «زرايب العبيد» قبل الاحتلال الإيطالي لليبيا من خلال قصة حب جمعت محمد وتعويضة، وتركت للتمرد صفة الأبيض والأسود بين الحر والعبد. لنشعر أن العبودية ليست فقط بين العرق الأبيض والأسود، بل هي في البيت الواحد أو العائلة الواحدة التي تستعبد بقراراتها الأبناء والأحفاد تحت مسمى الأعراف والتقاليد والمجتمع المحافظ. ليقع «محمد بن شتوان» فريسة الأب الذي قتل حفيده بإيعاز من الأم التي أوغرت صدره، وجعلته ضمن سلطتها المخفية التي استطاعت من خلالها التخلص من تعويضة، وتدمير حياة أقرب الأشخاص لقلبها وهو ابنها. فنشهد مفارقات اجتماعية قبل أن تحترق الزرايب. ونعود إلى الحكاية مع عتيقة بنت محمد بن شتوان التي تزوجت من يكبرها وتعيش معه حياة تتصف بالحب والتفاهم، والمتخطي بجوهره المفاهيم العرقية أو الاجتماعية. وبذلك وضعتنا «نجوى بن شتوان» في أجواء ليبيا عبر الزمن العثماني، وإن حررت إيطاليا ليبيا من العثمانيين وأنهت العبودية وتجارة الرقيق. إلا أنّه احتلال من نوع آخر. إذ حررت الإنسان واستولت على الأرض وبفهم لحقائق إنسانية لا يطويها الزمن، وإن اختلفت طبيعة الأمكنة وامتزجت الطبائع الإنسانية بالعادات والتقاليد والقواعد المتوارثة» هذه إحدى القواعد الدينية، أي أن يوازي خطأك حياة إنسان كاملة. «فالموازين الإنسانية في الرواية شكّلت نوعاً من التعاطف الذي انجذب إليه القارىء مع قصة الحب المتناقضة التي بقيت حتى الموت تتجاذب الحدث الماضي وهو ما حدث مع تعويضة والفقي ولم ينسه «محمد بن شتوان» وبسرد فني وفق عدة خيوط حبكتها «نجوى بن شتوان» مع تاريخية عثمانية ومعرفة كللتها بزرايب العبيد التي تشبه زريبة بأسوار عالية . فهل تستحق الحياة الكفاح لأنها هبة ثمينة كما جاء في الرواية؟ أم أن الكفاح هو جوهر الوجود الإنساني ليبقى حراً ما بقي؟.

معرفة إنسانية صقلتها «نجوى بن شتوان» بمفتاح وعتيقة الطفلة التي نشأت على حب عمتها، لتعرف أنها أمها فيما بعد. وما عدو المرأة إلا المرأة نفسها التي حاربت وجودها في حياة الرجل، وبتنافس ترك الزنجيات في صورة الإجهاض المؤلم الذي تسببت به زوجات الأسياد البيض، تاركة صورة أخرى للمغنية والبنات اللواتي يتعرضن للتحرش من رجال كبار في السن، وقفل الأرحام والمثلية الجنسية المخفية التي مارسها ابن الفقي، واكتشفه محمد ضمن التغيرات النفسية التي تطرأ عليهم بعد فترة من زمن. لتطغى قصة الحب والتمييز العنصري بشكل أكبر» الحب لا علاقة له بسيد وجارية، بأبيض وأسود، بعربي وزنجي.. تلك حدود بشرية لا وجود لها في التسري الذي لا يعارضه أحد» رغم أن الدم الأبيض المختلط بالدم الأسود أي الهجين غير مقبول في سوق النخاسة التي تعتمد على اللون الأسود كرمز للقوة والعمل الدؤوب. إلا أن ذلك لا يعني أن الأسود أو الزنجي يمكنه أن يسود في مجتمع يحكمه البيض «عبد أصيل وإذا كان العكس فهو خليط لا ينفع للأعمال المجهدة، فاختلاط دمه بالدم الأبيض يطيح بسمعة الدماء الزنجية الخالصة المخلوقة للعمل كثيرا وللتحميل كبغال» والاختصار بالجمل الغنية بالمفاهيم القائمة على الاستعباد أوجزت للقارىء الزمن الذي عاشته بنغازي ومصراته، وأكثر المناطق الليبية في الأجواء الاجتماعية والسياسية ومفارقتها» حين يعلم الإنسان أن عليه أن يكون ظالما كي لا يتحول إلى مظلوم» وهذا الظلم وصل إلى الزراريب التي احترقت وكشفت المخفي وأظهرت الحقيقة المرة لعتيقة ومفتاح الصبي الأبيض الذي عاش مع العبيد، كأنه منهم لأنه ثمرة خطيئة لا يمكن الاعتراف بها . دون سهو عن أبسط التفاصيل في ما يشبه البحث التاريخي، ولكن بلغة روائية امتلأت بالمفاهيم الإنسانية.

تصوير حسي لمشاهد تناقضت منها ما أغرقته بالذباب والتطفل والغربال وإقفال الأرحام والفقر الموصول بزرايب كسجون مفتوحة على حياة العبيد بين الأحرار، وآخر ملىء بالغلو الاجتماعي في العزائم والغنى لطبقات اجتماعية حافظت على مظهرها الاجتماعي، وإن على حساب إنسانيتها. ليختلف مفهوم الحرية في هذه الرواية، ونشعر أن الإنسان مستعبد حتى من نفس توارثت العباءة نفسها التي ارتدتها عتيقة في نهاية الرواية، عبر رمزية جعلتها كزمن يستكمل مسيرته ضمنا لأجيال، بأساليب أخرى، ومعايشات تختلف عن بعضها البعض. لتبقى الذكريات على رمال تحترق أشبه بالزرايب التي احترقت، وهي التاريخ الباقي والفاضح للجرائم الإنسانية العالقة في الأذهان، محتفظة بنكهة تراثية ومفردات ذات طابع ليبي استدعتها. لتكون بنكهة التاريخ الذي أضاءت به على مرحلة مهمة في حياة المرأة الليبية أولا لإيقاظ كل ما تبقى وذكرته» نجوى بن شتوان» في روايتها التاريخية بنقد اجتماعي ومواصفات البناء الروائي المؤطر بالخيال المعالج. لقضايا لها دورها الإنساني المهم، وبقيمة موضوعية ذات تقويم فني تطور مع «عتيقة بنت محمد بن شتوان» والجذور أو الجذر المتجذر الذي لا يمكن قطعه. إلا أنه يمكن شحنه بالقيم الإنسانية.

Doha El Mol