الفنان والمهندس المعماري" معاذ الالوسي" في حوار خاص
ضحى عبدالرؤوف المل
" هناك هجمة شرسة على نسيج وطباع مدننا الأصيلة"
يربط الفنان " معاذ الألوسي" بين الشرق والغرب برؤية فن معماري مزجه بنفحة تراثية شرقية ، حافظ على تواجدها في أعماله الفنية غالباً ، فالفن المعماري هو الإنضباط الإيقاعي الذي يمنحه الحس الموسيقى المنسجم مع المادة جيث لعبة الزمان والمكان، والأبعاد هي جزء من عمله الفني. ليستكمل هذه الأمكنة بفن عمارة صاغها بأسلوب ذي نفحة شرقية، وتكنيك معاصر يواكب من خلاله اللغة العالمية لفن المعمار المقترن بالحفاظ على التجانس الهندسي والقيم الجمالية . حقيقة لا أعلم كيف بدأت هذا الحوار . إلا أنني لمست الأصالة العربية فيه، والتمسك بالأرض والمكان وجمالية الفكر المشبع بالإدراك الفني.
- متى يتفاعل الفنان معاذ الالوسي مع المكان؟. وما هي الأبعاد التي يطمح للوصول اليها؟.
في عملية الإبداع ، دعيني أطلق عليها الخلق الجميل، عملية تواصل مع المكان بل ومع الزمن، متوازيان متزاوجان يفرضان حالهما على المبدع. بالتالي يستحال عليه الإنسلاخ عنهما، أي عن بيئته الظاهرة أو الباطنة. مهما حاول المبدع النأي بعمله عن التواصل. أو التجرد، وكسر الحدود وتهشيم ما يؤطر الفكر، مما يسمح للزمان وللمكان فرض وجودهما. إذن العملية هي “تفاعل” حوار متبادل بين مبدع مع مكان معين وفي زمن معين. إن المدرسة والفكر الذي أنتمي إليهما وأؤمن بهما بصدق وإخلاص ، فحواسي تستلهم هاجس المكان. أي مكان أمارس العمارة فيه، الشرق العربي أو الخليج، أو في أفريقيا، الكونغو برازايل السودان) أو بلاد القفقاس( ارمينيا. اولوياتي في منهجية الإنتاج هي البحث عن مكونات المكان، رسم جيناته، وتسلسل موروثه. ملتزم، مواكب الحالة الإنسانية السائدة ومتواصل مع المرحلة الحضارية السائدة. هنا يلعب الزمن ومجراه دوره الموازي. كما أن الأبعاد المستهدفة هي الإرتفاع بالمحلية إلى مستوى العالمية. محاولة ازاحة مكان في فهرسة المنتوج الإنساني، للإنتاج المعماري الخاص بالمكان ( المحلية ) أي المشاركة ضمن التراكم الحضاري الإنساني العام، مساهماً في تقدم وراحة وسعادة الإنسان أينما كان. إنه التزاوج بين العالمي والمحلي والتواصل مع ما يحيط بنا من قيم وحركات جمالية، بوعي شمولي وإنساني، محافظين على الخصوصية المكتسبة. بعد آخر مستهدف هو استمرارية التعبير عن الخصوصية والتواصل مع المستقبل وتسليم الرسالة الأصيلة للخلف. عساها أن تكون أكثر من تمنيات في يومنا هذا الرديء الرجعي المرتد.
- في أعمالك نفحة شرقية ذات أشكال تتماشى مع الحداثة والفن المعاصر هل تأثر الفنان معاذ الألوسي بهذا؟.
إنها أكثر من نفحة، هذا نَفَس مسار متولد من أثر أجواء الترعرع والانتماء للمنطقة وللبيئة بكل مكوناتها. فانا ابن بغداد، وشرقي بطباعي، ولم أحاول التنصل من هذا الواقع في أي عمل أقوم به، بل العكس، لم أحاول أبداً تكريس إلا الذات، كما يحاول بعض المعماريون المستنسِخون. درست وبحثت كثيراً لمعرفة تفاصيل مكونات هذه الذات، ووقفت احتراماً أمام إنتاج السلف المعماري، والخزين المميز له. وفي الوقت عينه محاولاً الإلمام بالمجريات المصاحبة لتكوين هذه المدرسة البغدادية المعمارية المتأصلة. في استلهام عناصر عمارة السلف. تفكيكها وتطويعها وإعادة صياغتها، بعيداً عن نقلها الكسول، في نغم جديد معاصر مواكباً لحضارة الحاضر “ الزمن. آملاً سبغ نوع من الخصوصية، تسود فيها القيم الجمالية المتوطنة، كالتكرار والتماثل والزخرف والنهج الهندسي الخاص في المقاييس، وعناصر إنشائية، وقيم أخرى كثيرة باطنة وظاهرة، تعود لهواجس المكان وتقاليده. تكسبه النفحة الشرقية، أو الهوية المميزة. هي إذن عملية تأليف المفردات بنوتة جديدة حديثة معاصرة في مفهومها العام. إنها أشبه بقصيدة شعر التفعيلة الحديث بنوتات إيقاعية متنوعة. من هذه العملية التأليفية تتولد لغة على شكل موجات غير مباشرة تدغدغ وتناغي لا إرادياً مراكز إدراك المتلقي، وبالتالي ينتشي ويتواصل مع لغة غير غريبة عليه، خلالها يتحفز ويتولد له شعور الانتماء والحنو.
- اختصار حركي ملموس في أغلب أعمالك الهندسية والفنية لماذا؟ وهل تفكر بتصميم مدينة عربية يوما ما؟
الإختصار في الظاهر تراه العين فقط، ناتج من تحميل المُنتج معان أُخَر باطنة، إيماءات بموجات محفزة، غير سطحية. الهم والهاجس هو الابتعاد عن المباشرة السهلة والنقل الرخيص. أريد بالمقابل لصاحبي الآخر المشاركة في الإستمتاع، في استكشاف المضمون، حتى ولو قاده هذا التصور إلى تأويله الخاص به. وفي دروب الفن حبذا أن يكون هذا التصور غير ذلك الذي أنا قاصده أصلا، بذلك محاولا منع الضجر عن المخاطَب وإبعاده عن الوسطية المملة. إنه الإلتجاء إلى صياغة حركات معمارية بقيم جمالية موروثة ومعاصرة، تخاطب كل حسب خزينه الفكري المتراكم الخاص به، إشارات وبموجات سميوطيقية تذكر بالهوية والإنتماء، تلتقطها المراكز اللا واعية لهذا المؤشَر إليه، تذكره وتسبغ الحنان والتواصل والتفاهم مع ماهو متأصل ومتجذر فيه. لذلك هي محسوسة أكثر من أن تكون ملموسة كنعتك لها.
هاجسي اليوم ليس بالضرورة تخطيط مدينة المنطقة، وإنما محاولة وأقصى أمانيي هو تحديث والحفاظ على ما تبقى من مدننا الآيلة إلى الزوال، هناك هجمة شرسة على نسيج وطباع مدننا الأصيلة. آخر المحق دمشق بدأً بالقدس ومروراً ببغداد، والقادمة في سلسلة التشويه كربلاء والنجف. الجميع وراء مدن أسميها " صدفة" تولد فجأة كمدن ناضجة مدن ملح بدون لؤلؤ” من رحم الصحراء، بدون طفولة ومراهقة، مدن بين ليلة وضحاها تولد كهلة بأبراجها التي تتسابق في نطح السحاب، مدن تقتات على المولات، ملوثة بصرياً، بدون عتق، بدون ذكريات تتوارثها الأجيال، فاقدة للجمل الشاعرية الملهمة، التي تميز نسيج وتكوين مدن المنطقة، كالدرب والزقاق والمحلة، الحي والسوق والحمّام والجيرة، مدن مستنسخة مسروقة من حضارة الغير، اللامنتمي للبيئة المهيمنة.
المدينة التي أبتغيها وأتصورها، ذات مناحٍ “عربية وإسلامية”، هذا العنوان، بسبب كون مدننا ذات نهج تحكمه البيئة والتقاليد، من قبل قوم قد لا يكونوا بالضرورة عرب وليس بالضرورة مسلمين، في العراق مثلا، مدن العرب والكرد والمسيحين والازيدين والصابئة ذات مقومات ونسيج واحد متوحد كتلة متراصة، مدن تعلن عن حالها المتميز، عن موقعها وتواجدها ضمن مجتمع متزاوج وبيئة واحدة.
- هل من صورة داخل مخيلتك الهندسية ما زالت تنمو ولم تخرج الى الواقع بعد؟
كان لي “فولي” فكرة مجنونة، أرقتني وأرهقتني كثيراً وأسعدتني وأبهجتني أكثر، ولدت، نمت، وخرجت إلى الواقع الملموس والمحسوس، تَمتعتُ في مناسكها لفترة قصيرة جداً جداً. فقدتها ثانية. وأصبحت في المخيلة، ذكرى، إنه المكعب “ أطلقت عليه هذا الاسم إحدى المؤسسات المعنية بالعمارة” المكعب هو دار سكني في بغداد “ التكية”، الجالس على دجلة، إنه في بيئة طفولتي، قريب من ضريح الناسك" بشر الحافي " الذي أنا معجب بسيرته. في المكعب شطحات مؤسِسة للشخصية والمسلك، دار أعِدتُ فيه ذكرى الترعرع بصيغة معاصرة جدا، محاكاة فيها تجل صوفي، وصفوه النقاد بأنه محاولة في “ما بعد حداثة” بغداد، فقدته كما يبدو إلى مدى عمري الفاني، قريباً سيبقى كالأطلال، بدون من يقف عليه ويبكي.
- الفنان معاذ الالوسي متى يرسم ؟ ومتى يتلاشى مع الأبعاد؟.
في العمارة عملية التصميم تولد وفي كثير من الأوقات يتولد نوع من التشنج الفكري، لكثرة المعوقات والمحددات، كعدم استيعاب العميل نفسه لمعوقات مطالبه، والذي لا يمكننا تجاهله، فهو الشخص المعني والمتلقي. أو تحديدات أنظمة البلدية، وحتى معوقات الموقع والبيئة. تشنج ذو شحنات سلبة يستوجب تفريغها، وتصبح الحاجة ماسة للجوء إلى أي أنواع المهدئات أو مفرغات التوتر، لذا في كثير من الاوقات التجئ خلال عملية التصميم إلى الموسيقي وبأنواعها.عند قصور هذا النوع من العلاج، التجئ إلى علاج جذري، وهو ترك العملية برمتها ومحاولة تفريغ الشحنات السالبة المنغصة. عندئذ أنتقل إلى باب آخر من أبواب صنعة الجمال، الرسم والتصوير والكتابة. والعميل المتلقي هنا غير معرٌف، لا معوقات ولا أنظمة بلدية، حرية مطلقة في التعبير عن الكوامن. وتفريغ ما هو سالب منغص. إلى ذاك اليوم الالتجاء كان نوعا من البطر المختار، إلى أن أُغتصبت مدينتي، بغدادي التي ترعرعت فيها، المدينة الرَحم تحرق وتهان، حينذاك أتخذ الفن منحى آخر وأبعاد أخرى، منحى الاحتجاج والحزن. صراخ بالألوان، ونبرة غضب بالفورم، والعملية هذه مستمرة لأن الهدم والمحق لأصالة مدينتي مستمر. إحتجاج أعبّر فيه عن غضبي وحزني واستهجاني وتحديي للحدث، هذا هو سلاحي في تحد الجهل، هي مشابه لصرخة الرسام النرويجي إدوارد مونش.
- بمن تأثرت في الحياة بشكل عام ؟ ولمن تقرأ ؟ وما هو الكتاب الذي تبحث عنه باستمرار؟
تأثرت بمعلمين أكفاء في جميع مراحل دراستي، إن كان في الأعظمية أو في أنقرة أو في لندن، تاثرت بزملاء العمل في فرانكفورت وبغداد وبيروت وأثينا، كل بقدر ما له من تاثيرات اعتبرتها حميدة، بالطبع والديَ أرضعوني كثير من القيم التي أحملها اليوم، منه احترام الغير والقناعة والحنو على الضعيف والمحتاج، من الوالد تعلمت الرسم، ومن الوالدة تعلمت الحشمة.ومن أهل رفيقتي الإلمانية تعلمت الانضباط والدقة وحب العمل.الوالدين كانا جليسي الكتاب، أورثوني جشع القراءة وحب الكتاب، في الجزيرة منفرداً متوحداً في أكثر الأوقات مع الكتاب. يلازمني على الدوام أكثر من كتاب، وحسب المكان. في المحترف الجاثم على شطِ بحر الأبيض” الهوى”، الآن أقرأ كتاب “حرير وحديد” للأستاذ فواز طرابلسي، لغة شفافة وأسلوب معاصر في سرد التاريخ المقارن. في مكتبة البيت أقرأ الآن كتاب “خرافات الحشاشين وأساطير الاسماعيلية” للكاتب الايراني فرهاد دفتري، كتاب يعيدنا لقرابة الألف سنة، يبين كيف التاريخ يعيد نفسه، رجعيتنا وتخلفنا مستمرة إلى اليوم. تصوري في منتصف القرن الحادي عشر هناك جماعة” النصرة” تحارب النزاريين “ فخذ إسماعيلي ممتد من سوريا حتى آلموت مدينة شيخ الجبل وحسن الصباح وحديقة الجنة في شمال ايران. بعد الف سنة ونحن نراوح في محلنا. الكتاب الذي أبحث عنه، هو ذلك الذي أتعلم منه، الجديد، غير الثرثرة المكررة.
- ماذا تعني لك هذه المفردات؟ المساحة الضيقة؟
المساحة تضيق ليس بأبعادها وقياسها، وإنما في كثير من الأحيان الضيق ناتج في المجال المتوفر للحركة داخلها. من هنا يضيق الوطن بأبنائه عندما يحرموا من الحركة في ربوعه الواسعة، من ممارسة حقوقهم الأساسية داخله، فينشدوا التحرر، في التغرب في مساحة غير ضيقة، ليست بالضرورة واسعة. ليماسول أصغر من حي صغير في بغداد اليوم. مجال الحركة فيه شاسع يكفيني وبالزيادة، بالتأكيد أوسع من مساحة بغداد اليوم.
- الخيال
في العراقي الدارج، نقول خياله، أي ظله، ظلي أتركه لا أستسيغه، فهو لا يشبهني. إنما التخيل خيال اليقظة جميل، تخيل حوادث وقعت، تكرارها اجترارها مفيد في التغرب، يلهم ويذكر، ينبش الماضي الجميل ولولا التخيل لما أبدع البشر، تنفيذ المُتَخيَل هو إبداع بعينه.
-الأرض
الأرض مسكينة، تصوري الأرض كم ثمينة، وحيدة في مجموعتنا الكونية، أي جوهرة هذه؟ بدل الحفاظ عليها، والخوف عليها، نضطهدها، نغتصبها، بل مصرين على تكرار اغتصابها، نلوثها، ونطمرها بالنفايات، نصحّرها، لم نكتف، خرجنا لتلويث فضائها القريب منها، سنعاقب يوما على أفعالنا هذه، بالحرمان من خيراتها وبالتالي الفناء. عقل الانسان ملوث لذا هو يلوث.
- المكان
المكان عرفه الجرجاني بأنه “ السطح االباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم الحاوي”. هذا التعريف يكاد يكون شاملا. هو ذو جوهر طبيعي فيزيائي لأنه ياخذ شكل الجسم الحاوي له، إذن هو البطانة، لذا له معان أخرى تضاف إلى معان أبعاده الهندسية قد يكون ملموس في العمارة والنحت، أو يكون وهمياً له أبعاد أخرى، كما في الشعر والكتابة والخطابة. منها التزمت بالتعامل مع الحجوم وتداخلاتها إن كانت في العمارة على هيئة أحياز، او في الفنون على هيئة أشكال وألوان
- التصميم
مهنتي هذه، التصميم هو صياغة الجميل، الاكتفاء بعينه، إنتاج ما يبهج ويسعد الغير، فتصوري إذاً كان يبهج الغير، مقدار بهجتي واكتفائي الشخصي، معاناة حلوة، الإنسان يتعود على ممارسة ومصاحبة الحلو، سعادة طاغية. محظوظ من له القابلية على ممارسة هذه العملية. قد تنقلب جحيم عن إصابة عوق في العملية هذه، جحيم يؤرق، وكوابيس تيه، فيها تشنج وحزن، إلا أن يأتي الفرج والفرح، بالرضى تذوق الحُسن. أعيش اليوم وبهجة ولذة عملية تصميم المكعب دار العمر لا زالت في طغيانها على حيز كبير من التذكر، لازالت تبهجني وتسعدني، ومحط الإفتخار، بيني وبين نفسي، محظوظ واتتني فرصة كهذه. هذه الممارسة إدمان، المصمم المأخوذ بالكامل لا يرى غير الجمال، يراه في كل شيء، القبح لا وجود في قاموسي، بالنسبة لي القبح في العمل فقط، كضرب طفل، أو نهر فقير محتاج، أو اغتصاب مدينة أو اضطهاد أو إعدام نفس
Doha El Mol