الفنان التشكيلي اللبناني " حسن جوني" كل لوحة أوقعها، هي بمثابة احتجاج صارخ على وسائل الموت المجاني".

ضحى عبدالرؤوف المل

يعالج الفنان التشكيلي "حسن جوني" تطلعاته المستبقلية باستكشاف حيوية اللون في الطبيعه وبإطلالة العين البصرية على الواقع الذي يجرده من الزيف مستخلصا نظريته الخاصة في الفن ولغته ومحاكاته. إذ ينمو اللون في لوحاته ويتناغم مع الصقل المتضمن المفاهيم والتعاريف الفنية والحياتية ملتقطاً الشرارة الأولى من الإحساسات الجمالية النابعه من داخله حتى في لوحاته المرتبطة بألوان الحروب ، والتي ينفي من خلالها لغة الإرهاب جملة وتفصيلا. إذ إن الفنان "حسن جوني" يسعى لايجاد الخصائص الصياغية من خلال تصوير الأحاسيس الخيالية أو الإنفعالية أو العقلانية ضمن الموقف الإنساني الباحث عن الجمال والسلام. أما ريشته، فتنحصر في حكايا الحياة، وتنطلق نحو الطبيعة بتعرج فضاءات اللون نحو روائع المشهد وماهيته، ليشمل كافة الأحداث الحياتية التي تترك بصمتها في نفسه من الحرب إلى السلم ، ومن القرية إلى المدينة وصولاً إلى المستقبل نافياً بذلك لغة الإرهاب والحروب المدمرة للحضارات التي يبنيها في لوحاته بتعبير قصصي ذي خيال خصب، وبتماثل مع واقع الحياة الإنسانية، ومعه أجريت هذا الحوار الذي أعتبره بحق لوحة مستقبلية جمعت تاريخ رجل يعالج بلوحاته قضايا الإنسان والحياة.

- الحرب اللبنانية أين أخذتك؟ وماذا تركت فيك؟

بالرغم أني فنان قلق، وأحرص جداً على سلامة ما أعيشه بالحد الأدنى من الخراب الذي يجتاح هذا الكون المبعثر أصلا بالأحقاد والمآسي، أتت الحرب اللبنانية لتحرق ذاتي بمفاعيلها القاتلة ..حاولت جاهداً بالخلاص من جحيمها، وتصويرها لتكون عبرة للمتقاتلين. غيرأني فشلت في إحقاق الحياة ونجوت في تقديم صفاء نفسي. وسيشهد ما سيأتي بعدنا على هول معاناتي كفنان رصد غرائز القتل عند الآخرين .. وحمل في حناياه ظلال الخيبة ، لحياة كنت جئتها مبشراً بالقيم من خير وحق وجمال. وبكل أسف، وجدت نفسي ومن يشبهني في ريبة وضعتنا سوياً على تماس مع اللاحياة واللاموت ... في هاوية لا حدود لها .

- تأخذ الواقع للخيال بعكسية تقص من خلالها مشهداً ما ولكن بحس حزين رغم بهجة الألوان لماذا؟

حاولت انقاذ الواقع من مآسيه...من تفسخ جنباته التي يُفترض بها أن تحميه وتحمينا...فإذا بالواقع يتحول إلى حلم عندي، هكذا كنت أجنب الواقع بإدخاله مملكة الأحلام بعيداً عن الكوابيس. إلا أن محاولاتي وبالرغم من إلباسها ثوب الفرح...ظلت كمن يعزف لإرقاص أفعى غادرة .ورب سائل عن هذه الأقاصيص التي حولتها إلى عناصر تحكي معاناتها وتطل على المشاهد بزينة اللون المتوهج ، فجمال اللون تمييزه للون الكآبة ..هكذا أقمت هيكلا من خطوط وألوان لوقائع خوفاً عليها من الاندثار تحت غبار النسيان ...وما كان لي إلا أن أجلوها بأجمل ما يمكن لفنان أن يرسم ويلون ..ولكن المرارة كامنة في إيهاب المسرة.

- تهتم بالمضمون فيندمج الشكل بشفافية مع اللون تاركا ومضة بصرية شفافة هل تترك فلسفة ما في كل لوحة؟

دائما عندي ما أرسمه ..انا شاهد حقيقي على هذا الزمان الذي عشته وما زلت ... لست متفرجاً ... أنا أمام معادلات فكرية ذات وجوه تشكيلية ... لست مجانباً لما أراه بل أدخل في صميمه ولوحتي إصدار رأي في كل ما رأيته وأحسست به وشعرت أن الفنان ، فيلسوف يطرح إمكانياته المنطقية _الوجدانية وهي ثنائية فائقة الصعوبة في قضايا عصره. أنا داخل الحياة ولست خارجها ، وفي الصميم المرئيات راصداً انعكاساتها على عقلي ووجداني..من هنا لوحتي ممتلئة بموضوعها ..ليست شكلاً بلا مضمون ومضموناً بلا شكل. أنا حسبي إني غصت في قضاياي كإنسان عبرت عن نفسي وعن الآخرين عما يعترض أحلامهم ... وكما هي الفرضية الفكرية تستدعي البحث من المفكر ، كذلك هي الفرضية الفكرية تستدعي البحث من المفكر ، كذلك هي الفرضية التعبيرية تستدعي بحثا مني كي تكون في الوعي الإنساني ..أرقى درجات معطيات الوعي.

- من يدخل معرضاً لك يقرأ قصصاً بصرية قصيرة ما رايك بهذا؟ ولماذا هذا الاسلوب؟

ذكرت سابقا عن علاقتي بالمرئيات . وسأوضح لك ذلك .. ما من مرئي قائم بذاته.إنه جزء من كل أليس الكل تشكيلا عضويا من أجزاء !؟ تلك هي جدلية علاقة الجزء بالكل والكل بالجزء وأنا أمام هذه المشهدية، أحاول الغوص في علاقات الأجزاء بالكليات ... تلك هي قصة في ظاهرها ، وتمويها بصريا جماليا في حياكتها النهائية. إن أجمل الفن من يظل قادراً على المحاكاة المنطوقة والحوارات المستجدة . وأنا أريد للوحتي أن تظل طرفاً متحركاً بالحوار المفتوح على كل حالات الروح .

- حتى الطبيعة هي كتلة متماسكة في اللوحة ومنسجمة مع التفاصيل الجزئية الا يتعبك هذا؟

يتعبني حديث مبعثر..حيث تتدافع الأجزاء هاربة في اتجاهات متباعدة . أجمل ما في الطبيعة هي طبيعة حياكة اللوحة ونسيجها الجمالي. فأنا اتناول كل جزء بمتعة لا حدود لها ، وهذا ما تستحقه اللوحة حين أغوص في عالمها المتمادي تعبيراً جماليا.. هي سيمفونية تتكامل حركاتها داخل الهارموني الشامل. ..اللوحة عزف لوني رائع.

- هل اعتبر اللون الاحمر غالبا في لوحاتك هو محاكاة للحرب؟

ابداً..لا لون محدد للحرب ، فكما تدخل الحرب في مناخاتنا كافة، يصبح اللون حاضراً في تصويرها . واستعمال اللون الأحمر عندي ناهيك عن حضوره السيكولوجي ، هو دائما في المساحة التي يجب أن يكون وضعه فيها أمراً لا مناص عنه.هو شعور قد يكون احيانا مرادفا بصريا للبهجة أو للعمق او للحدة القاسية او النشوة الحسية، هو في كل حالاته مرايا لنفسي التي تختاره كلون حي بالمفهومين ، الفيزيائي والعصبي.

- للمكان أهميته الكبرى في لوحاتك هل ترتبط بمكان ما وتخلده في لوحاتك؟

قليلة هي الأمكنة التي تقيم في ذاكرتي إقامة دائمة .."زقاق البلاط" الحي البيروتي القديم الذي ولدت فيه .. ومدريد المدينة التي احتضنتني طالباً لدراسة الفن التشكيلي بكل أبعاده وتشعباته إلى المنارة ، رأس بيروت ، حيث هو محترفي اليوم تلك الأمكنة الثلاث التي أتلمس وجودها في ذاتي يوميا، لكن استثناء، يظل زقاق البلاط ومنازله الرملية وسقوفها القرميد ونوافذه العالية الأمكنة الأروع ... الأجمل والأخصب لذاكرة المكان حيث أبحث عن مكان يأويني ويخبرني من ذئبيته هذا العالم المملوء بالنسيان والقلق. لهذا المكان سأقدم خلاصات رؤاي المستقبلية .

- هل ستروي يوما بشكل فني حرب لبنان كاملة؟

كفى ما رسمته بتأثير من أقذر الحروب الأهلية في العالم ..وأنا مشغول اليوم في أعداد معارضي التي تعكس في باطنها المؤمل آثار تلك البشاعه القاتلة .

- للطبيعة في لوحاتك جمالها الفطري المنساب عذوبة وزركشة تطرزها باللون تاركاً فيها لمحة ما؟ ما هي اللمحة الخالدة في لوحاتك؟

حين أرسم المنظر الطبيعي أكون محققاً لأمرين ، الاول : إعادة ما أضاعه الإنسان من الطبيعة من خلال الإساءة إلى وجودها الساحر. والثاني: أن أعيد غنائي الرومانسي في إعادة تلك المشاهد الغاربة إلى الحياة الافتراضية ، الفن بالمناسبة ، هو إقامة عالم إفتراضي لكل ما يحلم به الفن والفنان ... خرج ذلك ، يظل الفنان خارج الحياة وخارج نفسه أيضا ...وتلك مهاوي الضلال المستبد بالفن والفنان والزمان والمكان ...لنختصر خارج الوعي.

- ثقافة معرفية واسعة ملموسة في لوحاتك كأنني امام قصة قصيرة في كل لوحة؟ هل استنكرت لغة الإرهاب بلوحة ما؟

لوحتي مقاومة للإرهاب ، الإرهاب يتطلب العنف المادي ، المؤدي إلى القتل الذهني والإفناء والتراجع الوظيفي .. الإرهاب طاعون يميت شعوبا وأول ما يغتال فيها ذلك الحس الراقي بالإقبال على الحياة والتفاعل مع إيجابياتها التي تؤمن للبشرية ، الكرامة الإنسانية . كل لوحة أوقعها، هي بمثابة احتجاج صارخ على وسائل الموت المجاني...هذه مقاومتي ضد هذا الفناء والإفناء.

- الجنوب الأرض التراب ما هي الألوان الأكثر تأثيراً على الفنان" حسن جوني "وما هو اللون الذي تبتعد عنه نهائيا؟

الألوان مفردات الإحساس وموسيقى الروح ولكل لون حضوره الشعوري ، هو ترداد الحاجة الباعثة على الرغبة المستحبة . أعيش مناخات كل لون دون استبعاده من دائرة خياراتي الجمالية والتعبيرية . أصبح كل ما أمامي جنوباً وشمالا وغربا وشرقا... لقد ضاعت الأبعاد الكونية وأصبحنا رهائن الأمزجة.

- صورة بمخيلتك عن الحرب وصورة عن السلام ما هما؟

على نافذة مرسمي ، يمامتان يتغازلان مع غناء متبادل ...تلك هي لوحة السلام والحرب، حين يفرّ كل منهما باتجاه ما نتيجة إطلاق النار عليها..تلك هي الحرب التي تغتال المحبة..

- كلمة اخيرة لجيل الغد

كلما غصتم في ذاتكم اكتشفتم الكون مالئا ذواتكم ... إبحثوا عنه تجدونه في لوحة تنتظر توقيعكم لها.

Doha El Mol