الخطاط والفنان حسن المسعود " في باريس تمكنت من إدخال الخط في العمل المسرحي، ثم تجولت بهذا العمل في مدن كثيرة"
حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
تتناغم أحرف الفنان والخطاط "حسن المسعود " مع رؤوس أقلامه وريشاته، وكأن اللوحة هي مسرح بصري مفتوح ذي حراك لا سكون فيه. إنما كل حرف هو حركة ممزوجة برؤية معاصر تميل إلى محاكاة الفنون عامة ، الهندسة البنائية ، والصخب اللوني الهادف إلى بانورامية تمنح الرائي نشوة نفسية، لهذا حمل حروفه على المسرح ، فتجسدت حركة لها معانيها وظلالها بثقافة حروفية لها موسيقاها وإيقاعاتها المخبوءة في النفس، ليستخرجها من أجساد كالحروف. إنما ممتلئة بنبض المعنى والروح تاركا لقدرات التعبيرات استخراج التمايلات الحسية التي تصدر من رؤوس الأقلام والأصابع، لتلامس شغف الروح برقة الحرف العربي وسحره وتكوينه، وارتباط أشكاله بالجمال والفن، ومع الفنان والخطاط "حسن المسعود" أجريت هذا الحوار لإستشف منه الأبعاد الجمالية التي دفعته إلى إدخال حروفياته في العمل المسرحي.
- القلم أداة التعبير والريشة أداة خلق فني والخيال عند حسن المسعود ما هو؟
الخيال هو الذاكرة المليئة بالصور منذ زمن الطفولة، وربما منذ زمن أبعد. يفجر هذه الصور لقاءات الحياة مع الآخرين في الحياة اليومية. وكذلك أحداث العالم التراجيدية والسعيدة، ورؤى الطبيعة من أشجار وغيوم ورياح. هنالك أشياء أخرى كقراءة عبارة تجعلني أرى صور تحثني على رسمها بالحروف. وكمثال عبارة الشاعر الاوزبكي مشرب : أريد أن أكون فراشة حول شمعة جمالك. أو عبارة الشاعر الهندي كبير: لا تذهب يا صاحبي إلى حديقة الورود إن حديقة الورود هي في داخلك. أو عبارة الأعز بن قلاقس: سافر إذا ماشئت قدراً سار الهلال فصار بدرا. زمن لم تكن آلات تصوير كان الأدباء يرسمون بالكلمات. ولأني أريد اليوم صور من الخيال لا تشابه ما هو تشخيصي طبيعي كصور الكاميرا، فاغترف من خيال الشعراء أيضا.
- متى تترك لأحاسيسك مداها بشكل كامل دون ضبط او تنظيم؟
هنالك عدة مراحل للعمل الفني، الرؤى الأولى تكون دائما دون ضبط أو تنظيم، ويظهر لي أن هذا لا يقنع العقل، ويفرض هذا العقل مساهمته. الرؤى الأولى تتفجر من أعماق لاواعية لا تفسير واضح لها، ولكنها تبقى المادة الأساسية في عملي الفني. في البداية يكون مسك هذه الرؤى صعبا، ولكن مجموعة من التخطيطات السريعة الهوجاء تسجل ملامحها. ويوم أريد عمل لوحات ملونة أرجع لهذه التخطيطات الأولية، انظر لها وأعيدها من جديد، وعند الشعور بأنها ناضجة ويمكنني قطافها، أحضر الألوان وأبدء الخط، وهنا تتداخل عدة عوامل أخرى منها الكفاح ضد المواد، وهي آلة الخط وكثافة الألوان ونوعية الورق. فتكون الخطوط الأولية السهلة صعبة التحقيق بمواد ثقيلة، وهكذا يبدأ صراع مرير للوصول إلى ماهو مقنع، فيشارك الجسم والنفس من أجل الإنتصار على المواد وتحقيق خط اكتمل على الرشاقة والقوة وبحركات لونية توحي بالنور داخلها.
- تتميز أعمالك بمعالجة الشكل من خلال المضمون ما رأيك؟
إحدى التجارب الأولية كانت بعمل شكل بلا مضمون، أي أن الشكل نفسه يكون المضمون أيضا، ولكني وجدت أن هذا الطريق مغلقا، إذ كنت أبقى في حوار مع نفسي، وأن أقدم دائما نفس الأشكال، ولكن بتحوير بسيط. بينما كل عبارة للشعراء تجعلني أكتشف عالم آخر وأشكال أخرى. وبذلك تزداد خطوطي ثراءً. ولو ننظر إلى الأعمال الفنية منذ الاف السنين لنجد أن الصور والتماثيل كانت مبطنة بمضمون ميثولوجي او ديني...
ومعالجة الشكل من خلال المضمون ليست سهلة، وأحيانا غير ممكنة أبدا باستعمال الحروف كما هي أعمالي. ولكن هنالك عبارات تتعاون معي وتقبل المساهمة بهذه اللعبة لإ خراجها فإن كانت العبارة تحوي كلمة النار فتصعد الحروف عالياً ثم تميل لتنصهر بالفضاء كالدخان، وعلى العكس إن تضمنت العبارة كلمة الماء فسوف تتماوج الحروف أفقياً وبشكل انسيابي.
- كونية الحرف العربي في أعمالك تمنح البصر بعداً فلسفياً... ما هي الثقافة التي تجمعها في لوحاتك؟
الثقافة التي أجمعها في لوحاتي آتية من المعيشة في ثلاث مدن هي النجف وبغداد وباريس. النجف وحركتها الثقافية وأزقتها ومعالمها المعمارية ومناسباتها الكثيرة تركت عندي صوراً ومضامين كثيرة. ومن الازقة المظلمة إلى نور الصحراء الساطع حولها. أما بغداد اكتشفت فيها لهجات ولغات وأشكال لم أكن أعرفها في النجف. معارض الفن في الستينات والسينما التي جعلتني أكتشف العالم. واكتشفت الفن الغربي عبرالمعارض آنذاك. أما في باريس فقد تعلمت الكثير في دراسة الفن وممارسته لسنوات طويلة، واكتشفت في باريس الخط الصيني وثقافته الأدبية. وفي باريس تمكنت من إدخال الخط في العمل المسرحي، ثم تجولت بهذا العمل في مدن كثيرة في أوروبا. ومواجهة الجمهور الأوربي تطلبت التعرف على الثقافة الغربية. وكذلك التعريف إليهم بالحضارة الشرقية. وهكذا أصبح الحرف العربي عندي كاناء زجاجي يمتليء كل يوم بطاقات جديدة حسب الحاجة التي يتطلبها كل لقاء مع مجموعة جديدة من البشر.
- أشكال وصور وتجميع لعناصر هي بحد ذاتها بنية بصرية ذهنية هل هذه لعبة حسن المسعود الذكية حروفيا؟
كل ما اعمله من لوحات يبقى كرغبة لاشباع الحاجة الداخلية التي تلح بالخروج، كالعطش الذي يدفعني لشرب الماء. ولكن هل أن عملي سيكون تجربة مقبولة للآخرين. لا أدري. لأنني دائما في شك إزاء انتاجي الفني، وعلى الرغم من أن معارض كثيرة لخطوطي نالت استقبال الجمهور الإيجابي، فإن الحكم الأخير يعود للآخرين، ودائما بعد غياب الفنان. الهياكل الهندسية التي تتسلق عليها حروفي هي أساس العمل الفني، ولكن اللعبة الذكية حروفياً كما تقولين ليست معروفة مسبقا، إنما مع مرور الزمن تصعد بعض الأعمال الفنية وتصبح مقبولة للجمهور، بينما أعمال أخرى ترقد ككل الآثار التى تنام في الدواليب.
- حسن المسعود حرفاً واحداً ترسمه الآن على ورقة بيضاء ما هو؟
حرف الواو بأسلوب الثلث. لشكله الغريب ولكونه الحرف الوحيد في الألفباء العربية قادر على التعبير وحيداً، بينما كل الحروف الأخرى تتطلب رفقة حروف أخرى. ثم أنه حرف جامع لأنه حرف ربط.
Doha El Mol