الترتيب الأبجدي لإيقاعات الأشكال وحركة التكوين البصري في أعمال الفنان الفرنسي "أوغست هيربين" والفنان اللبناني كميل حوا

ضحى عبدالرؤوف المل

تشترك الأشكال الهندسية في أعمال الفنان "أوغست هيربين" (Auguste Herbin) مع الفكر الحيوي المتطور بصريًا والمتميز بالتراكيب الديالكتيكية المتوازنة فيما بينها من حيث الخطوط التي يفرضها وفق ديناميكية تتناسب مع الترتيب الأبجدي لإيقاعات الأشكال، وحركة التكوين البصري الجيومتري إن صح القول، وبقوة بصرية تعتمد على قانون التناسب والتعبير المنطقي عن القيمة لكل شكل تجريدي يتآخى مع التكعيب المتعدد الأبعاد، رغم الاختلافات في التصميمات القادرة على خلق محاكاة تتحرر من الواقع، وتلتزم بالمعادلات الدقيقة لتحقيق أبجدية لأشكال هندسية تربط بين نوتاتها الموسيقية الخطوط، خاصة المستقيم منها، ثم المنحني للتوسع في التراكيب التي تثير قوة توحّد بين الجوهر والشكل، وتلتقي في جزء منها مع أعمال الفنان "كميل حوا" (Kameel Hawa) الشغوف بالحرف العربي دون التجرد من الأشكال والأسس المرتبطة بالخط العمودي، وقوته الثابتة رياضياً والمتحركة بصرياً مع الخطوط الأخرى والأشكال، مع الاحتفاظ بالأسلوب المرن في التمدد والاقتران مع الحروف الأخرى، وقوة تناسبها إيقاعياً مع بعضها، بفلسفة الجمع بين الأبجدية الجيومترية بشكل عام، والذي يلتقي بها مع "أوغست هيربين" والأبجدية العربية الخاصة به في التشكيل والبناء في الرسم والنحت، وضمن الحقائق المستخلصة من الأبجديات البصرية واختلافها بين فنان وآخر، والكامنة في التوافق بين المقاييس والأضداد، وعالم المحسوسات التي تجمع بين الحرف العربي والأشكال المتقاربة الأخرى. فهل الحرف العربي في أعمال الفنان "كميل حوا" ينفصل عن حتمية الخطوط في أعمال الفنان "أوغست هيربين"؟

تتوافق الأشكال البصرية في أعمال كل منهما، ويؤدي الارتباط بينهما أو المقارنة بين التجريد الهندسي والحروفيات ذات الاتجاهات الرياضية المختلفة إلى فصل الخطوط عن بعضها البعض، لتوليد محفزات بصرية تكون فيها جميع الخطوط مهيأة للحركة غير المستقرة، والقادرة على إيجاد ابتكارات متعددة في الشكل ذي الاتجاه الحساس للامتداد مع الخط العمودي وقوته الجوهرية في الفصل والتلاحم بين الخطوط الأخرى التي يمنحها الاتساع والقوة في التغيرات المختلفة من المنحنى إلى المائل، والذي يجمع بينهما التمثيلات الفنية أو الأبعاد المتميزة في المجال البصري الخاص بالأشكال وتراكيبها الغامضة، وإن ضمن التنظيم الحركي الهادف إلى تحويل التقلبات إلى أشكال انعكاسية تؤدي كل منها إلى خصائص فنية استطاع تذليلها "كميل حوا" ومنحها ليونة ظاهرة في الهمزة وشغفه بها، بينما يتوحد معها "أوغست هيربين" بالتجريد الهندسي. لتكون الأسس في الأشكال كافة هي أبجدية خاصة بالفن الذي يمنحه التركيبات المختلفة والأكثر ديناميكية من سواها في أعماله الفنية الأخرى، والبعيدة عن التجريد الهندسي الذي خصص له فلسفة تكنولوجية يمكن لها أن تتطور مع الحروف العربية إن حاولنا إسقاطها على أشكال الحروف الأخرى، وضمن المسار المشترك جيومترياً مع التكعيب والاهتمام بالشكل المتحرر من القوالب البصرية الثابتة، والخارج من هندسيات ذات أشكال فريدة غنية بالإيقاعات، وتضم الكثير من القطع التي يمكن تفكيكها وتركيبها بصرياً مع الاعتماد على الألوان الأساسية، وبدرجات قوية تتفجر منها ينابيع الألوان الأخرى بعيداً عن الأحادية في الشكل واللون. وإن تأرجحت المعاني بين أشكالها وموسيقاها، إلا أنه احتفظ بالمثلثات والمستطيلات وأنصاف الدوائر بين الخطوط والأشكال الكبيرة القادرة على الفصل بين المنحنيات الجزئية والتزامن الغامض بين كافة المفردات الهندسية أو الأبجديات التي تدمج بين الواقع والمتخيل، وبين الأبيض والأسود، والطويل والقصير، وموضوعية جمالية لا تنفي ذاتية الخط وقوته في الفصل بين العمودي والمنحني، كما بين الألف والهمزة في أعمال الفنان "كميل حوا". فهل تطور الخطوط في العصر الحديث ينبئ بالكثير من التقنيات التي وضع أسسها أوغست هيربين؟

تخفي الأشكال في أعمال الفنان "أوغست هيربين" الكثير من الإيحاءات الحروفية القائمة على توازن الحرف العربي تحديداً بمختلف مساحاته المنسجمة مع الفضاءات والأبعاد، ونقاط البداية والنهاية الواضحة في أعمال الفنان "كميل حوا"، ولهذا يشعر المتأمل لأعمال الفنان "كميل حوا" وكأنها ولدت من رحم أعمال "أوغست هيربين" كجزء منها بالرغم أن "كميل حوا" احتفظ بروحية الحرف العربي مستبدلاً الضاد بالهمزة، وجماليتها الخاصة في أعماله إلى جانب الخط المستقيم، والقوة في الفصل والجمع والامتداد والفراغات التكوينية لحروف وهمية تشكل نوعاً من الجمالية المنفصلة عن رؤية "أوغست هيربين" التكعيبية منها لأنه في التجريد الهندسي هو الأقوى بصرياً وجيومترياً. فهل يمكن أن يتخيل المرء أوزان الأشكال بين أعمال "أوغست هيربين" و"كميل حوا" والخطوط المختلفة غير المرئية منها أو تلك المتخيلة في البناء الفني المتناغم القائم على أسس الخطوط وتنوعها؟

تبسيط فني ومراوغات حركية مبنية على تجاوزات تشكيلية قائمة على مبدأ التناسق بين التنظيم اللوني والخطوط، وضمن النوتات لأشكال ترتبط بالعدد أو التعدد المؤثر على حسابية التراكيب من حيث الكم والفراغ، والقدرة على التوزيع الصحيح خاصة في أعمال "أوغست هيربين" والتكوين المعتمد على معادلات مجموعة من أشكال وألوان تتشابه مع معادلات الخطوط للأبجدية العربية، وبتوافق مع الحرف والأشكال الهندسية كالمثلث والدائرة ونصف الدائرة، ووفقاً للانعكاسات بين الحرف والأشكال واللون والأصوات الموسيقية الناتجة عن موضوعية الخطوط التي تتوحد مع الألف في اللغة العربية وتقنية "كميل حوا" في رسمها أو نحتها أو منحها البناء المناسب لها أو شكل حرف (i) من حيث الخط العمودي والدائرة مع القدرة على الإيحاءات الأخرى في الأشكال، وبثقة القياسات التي تتماشى مع النحت والرسم من حيث المزج بين الأبعاد والحركة والتقارب دون الحد من الحركة اللونية وجماليتها في كل ذلك. إذ تشمل الأصول الفنية في الأبجديات كافة التقاطعات مع مستويات الألوان والاختلافات الأخرى التي تظهر من تأثيرات الأحجام والنغمات الخاصة بالطول والعرض، وإيقاعات الخطوط الأخرى المبنية على هذه الأسس في البناء والتشكيل وهذا المفهوم يعتمد عليه الفنان "كميل حوا" في تراكيب حروفياته القادرة على التوالد أو كل شكل في أعماله يوحي بشكل آخر، وكأنه يستخرج من الخطوط عدة أشكال لشكل حروفي غير معقد، وبسيط في الامتداد والتناسب وضمن الإيقاع البصري الذي يتفرد به في جميع أعماله دون استثناء. فهل الحرف العربي هو أبجدية لإيقاعات هندسية نجدها مجموعة في أعمال الفنان "أوغست هيربين" وميزة المقاييس الجيومترية والمنحني الذي يرتبط بذاتية حياة الإنسان المتكيف جمالياً مع الطبيعة وما تحتويه من أشكال تجريدية هندسية هي إيقاعات نتناغم معها بصرياً؟

كل شكل من أشكال الأبجديات في أعمال الفنان "أوغست هيربين" تحدد نوتة موسيقية بصرية خاصة يمزجها الفنان "كميل حوا" بروحية الحرف العربي الذي يمكن استخراجه من تلك الأشكال، وبتوافق هندسي يمنح هذه المفردات الفنية الغنية بالنظريات المستوحاة من التجريد الهندسي قوة فنية يمكن الاعتماد عليها في بناء الحروف العربية فنياً، والتي تجمع في طياتها الكثير من النوتات التشكيلية كنصف الدائرة والدائرة والتركيب المتكافئ بين الأحجام والعناصر الأخرى، مما يسمح لنا بفهم النهج الفني الذي يعتمد عليه "كميل حوا" في بناء الأشكال مع فهم كافة الأبجديات التي استخدمها "أوغست هيربين" في إنتاج عدة تكوينات ترتبط كل منها بشكل هندسي يوحي بالأضداد الحسية، وتعزيز صفات كل منها، ليؤكد على التصميم الهندسي الابتكاري الناشئ من مفردات مستقلة لأشكال وألوان تسمح بتوازن عدد غير محدود من التركيبات المختلفة التي يمكن تطويرها لتكون أبجديات خاصة.