روح الألوان في شرايين لوحات أمين الباشا

ضحى عبدالرؤوف المل

ارتقى الفنان "أمين الباشا" (Artist Amin Al-Basha) وجلس على عرش لوحاته ممسكاً بريشة البقاء الفني حيث البصيرة والتفكر، والحكاية والذاكرة المحملة بعطر إنسان وقف على أرض لوحته الصلبة ، وتغنى بأمجاد الإنسان وتحولاته وصراعاته، وسلامه وحبه وقدرته على تحويل الرماد إلى أرض ربيعية مملوءة بالأزهار أو مدن مأهولة بالسكان أو امرأة على كرسي تنتظر الأحبة في مكان لملم من الخطوط أقواها، وصنع من أريج الألوان استراحة بصرية هي بصمة فنية دلالاتها قيمة الوجود والفن والجمال واختزالاتها مساحات وأبعاد وسطوح وتجريد وتشبيه، وقريحة تشتد وتعصف بالمعاني والفن والجمال وتتفجر ينابيع الرسم من تفاصيل خبأها في لوحاته للأجيال، ربما هي واقع متخيل من طفولة أو شباب باريسي أو موسيقى عربية أو تكوين لمشهد اختبأ خلف جدار أو مبنى أو أسوار بيروتية قديمة أعاد لها رونق التجدد والبناء والحياة. أو ربما هي كتاب من لوحات جمعها لتكون رسالة مجد فنية تعددت فيها الرؤى والأشكال والألوان وحملت في طياتها سر الإنسانية وهموم الإنسان، ورايات الوعي والجمال. فهل يغادر الفنان عرش الفن أو يترك هوية إنسانية تشكلت أو ارتسمت أو ازهرت على أرض لوحات خصبة زرعها على أرض لبنان؟...

في لوحاته نفحات وتراتيل تعزف على وقع خطوات البقاء ، فما من رحيل لفن صنع منه "أمين الباشا " مائيات تعيد الحياة وانطباعات لأشياء هي رموز وتفاصيل تضحك وتبكي وتقف بشموخ أو تلفلف الخراب، وتدثر القبح قبل أن تحوله إلى جمال يبهر الحواس، وتمحو السوء وتظهر بشغف قوة الجمال .فما الانتماء الفني إلا رسالة كتبها وتركها ترفرف في فضاءات متعددة الأبعاد ، وما الأبواب والنوافذ إلا إطلالات للوحات فنية ستبقى كزهر في إناء ينضح بالألوان، وما الايقاعات البصرية في كل لوحة إلا الأغنيات التي تنشد ليحيا "أمين الباشا " ويبقى الفن خالداً في ذاكرة الأوطان وما بيروت إلى الظل الحي الذي يعشش في جماليات حملت عبق التراث والمجد وهموم حرب تحولت في لوحات إلى حمامات أو أزهار أو نساء أو شيخ وأطفال ووردة سلام.

لا تترك الحياة أبوابها مفتوحة إلا لمن استطاع الغوص في ألوان الحياة ومعانيها الفنية بشتى مفرداتها ذات المشاهد التي تطرح قصة الوجود بأكمله. ولا تهجر الروح أجساداً هم لوحات فنية تنبض بالحياة والحكايا الإنسانية ،ولا يغادر الحياة من ترك بصيرة مفتوحة للتأمل وجمع الحقائق بوعي وتفكر من خلال خيوط يرسمها أو ينسجها أو يجعل منها حبكة ذات نسب وتماثلات منطقية هي بناء يحفظه من الذبول والاندثار والموت. فهل يموت الفنان إن تراجع جسده خطوة إلى الوراء وبقيت روحه في الألوان التي تصارع الموت بوهجها وعنفوانها وقوتها وجمالها المحاكي لقصة الحياة ؟

لم تنهزم بهجة الألوان من لوحات الفنان أمين الباشا ولم تترك بصماته الوعي الذي تمسك به خلال مسيرة فنية كللها بخيال وواقع لم يطمس فيه الحقائق المتصلة بكافة اختلافات الحياة وتناقضاتها. بل تركها للأذهان لتسترجع لحظاتها الحياتية في كل زمن ومكان، من المدن إلى القرى فالطبيعة والإنسان وما جمعته الخطوط والألوان يبقى ليحاكي العمر الذي غزله أمين الباشا وأصبح في لوحات هي شاهدة على العطاء والفن والجمال لا أعرف حقيقية إن كنت أكتب عن فنان في لوحة عمر باقية أم عن فنان هو لون يحيا مع فصول جمعها كباقات زهر في لوحات تحمل معنى الجمال والبهجة والفرح والنور وامتشاق الخط للارتفاع بالشكل نحو الكمال والجمال . فهل نستطيع رفع البصر عن حدائق ومدن ونساء تدثرت بخصوصية ريشة دمعها مائيات تنساب وتراتيلها أغنيات البقاء ؟

Doha El Mol