الرؤية الغامضة المشبعة بملامح الألوان الصاخبة

ضحى عبدالرؤوف المل

يحاول الفنان "عبد المولى العويني"( Abdel-Mawla Oweini) الاستكشاف عبر تصورات تحليلية لما يراه مصغرا، وفق تناقضات لا يمكن تفسيرها في مرحلة ما من الرؤية الغامضة المشبعة بملامح الألوان الصاخبة والخطوط المتكسرة والأشكال الانعكاسية. إذ تبدو كوجهات نظر يمنحها الحركة، ليكتشف حقيقة الأشكال ومفاهيمها وماهيتها، وما الذي يجعلها تتخذ الكثير من المعاني البصرية التي يحددها بالشكل البسيط، كالمثلثات والمربعات والمستطيلات والدوائر، والخطوط التي لا تفسير لها إلا لتترك علامات استفهام عن عبثية الطبيعة التي تختفي وسط أوهام الشكل وحقيقة اللون بجمالية تثير بوجدانيتها شاعرية تنتفض على الجماد بطلاسمه، كمرايا لونية مكسّرة يفكك معانيها، لتتخذ عدة صفات من الفن والحياة والجمال المشتعل في أعماق الأرض أو الكون، وحتى أعماق النفس وأغوارها، فهل افتتن ذهن الفنان "عبد المولى العويني" بالأشكال أم بالألوان؟..

يستند الفنان "عبد المولى العويني " على البصمة الفنية التي يستخرجها من تساؤلاته المجزأة لأشكال يراها بعمق، فيتفنن في منحها مساراته الذاتية التي يميز من خلالها بين المتناقضات وحقيقة الحياة المتقيدة بالبعد والمتحررة من قرب يلامس الأحلام والأوهام، وما إلى ذلك، وكأنه يقارن بين البعيد والقريب بالألوان وما تتخذه من معاني الحرارة والبرودة، والتنافر والتقارب والتحاور والتجاور، وبعفوية طفولية يشاغب من خلالها بصياغات انعكاسية للداخل والخارج والفضاء والأرض، وغرائب البصر وتكوينات ذات فضاءات يمدها بالشاعرية والخيال بعد أن يجردها من تفاصيل الشكل الواقعي، ويعيدها إلى الفطرة الأولى محققاً بذلك نوعاً من التفسيرات التشكيلية التي لا تخضع لقوانين صارمة إنما تلتقط أحاسيس الضوء والظل من الألوان، لتمنح الشكل ولادة وفق أسلوب شفاف كشظايا بصرية يترك آثارها تدريجياً وفق قطع منتظمة بتجميع عشوائي يؤلف منه قطعة جمالية أو ما يشبه قصيدة وجدانية مؤلفة من عدة ألوان، بتأثيرات التضاد والتوافق وخلق تدريجات ما بينهما لتكون اللوحة كالمشهد المولود من شكل له عدة أحجام وألوان وعبر علاقات تفاعلية حميمة.

بنية فنية بسيطة في الشكل وعميقة باللون المسبوك بمؤثرات تتخذ عدة سمات تأويلية من حيث الفراغ والامتلاء، والخداع الحسي لما هو قريب وبعيد. إذ يسيطر على لعبة التأملات التشكيلية التي يرسمها في لوحة ما هي إلا تساؤلات دهشة يشعر بها، فيتركها في تفاصيل لوحاته المشحونة بالجمال، وبآفاق تخيلية تتميز بقوة الحرية التي يمارسها في فضاءات اللوحة وأبعادها التي تعكس مفاهيم الرؤية الحقيقة، وبازدواجية تختصر كل الأشياء الأخرى في لمحة عبثية تعيدنا إلى أصول الأشياء أو جوهرها الحقيقي، كالمسافر بين الغيوم، ليصل إلى نهايات بسيطة عالقة بين السماء والأرض لا تفسير لها، لأنها كالحلم الذي يبدأ ولا ينتهي والشبيه بعالم مادي يقبع تحت رحمة الألوان وزحمة الحركة بين الأشكال الغامضة. إذ يختصر حركة الحياة بلعبة الألوان حيث يشعر المرء أنه بين نضارة اللون وخفوت الظل يحلق بين الواقع والخيال بعفوية وهذيان وبلهجات بصرية مختلفة.

أشكال وألوان وآثار بصرية لأحجام رياضية يشدها الفنان" عبد المولى العويني " إلى بعضها البعض، ليغذي النظرة الثابتة والمتحركة بين الأشكال والألوان، والمتناقضات الأخرى القائمة على العفوية والعمق بين الجمال والحياة. والعلاقة مع الطبيعة بشاعرية يتشابك فيها النص مع الصورة من خلال رسومات ذات صياغة تتعلق بالرؤية الثابتة والمتحولة لمتغيرات نراها عكس حقيقتها أن ابتعدنا عنها أو اقتربنا منها، مما يعزز فكرة القبح والجمال وانعكاس ذلك على ما نراه، وبدمج لا ينفصل عن التكوينات الأخرى التي تمثل المساحات الفاصلة بين العقل والقلب أو المنطق في فهم الأبعاد الجمالية واكتشاف حقيقتها.

Doha El Mol