إرث فني سيبقى وإن رحلت الفنانة "سلوى روضة شقير "
ضحى عبدالرؤوف المل
تحتكم الفنانة "سلوى روضة شقير" إلى تنظيم النسب والتناسب بما يتلاءم مع نظرتها الجمالية في النحت التجريدي، وتطويع الإيقاع عبر رؤى نحتية شيدتها الفنانة "سلوى روضة شقير" بانسيابية تجمع بين التأمل والحكمة خلال مسيرة أعوام حياتها الزاخرة أو بالأحرى مدرستها الفنية التي انطلقت منها للارتكاز فيما بعد على مبدأ احترام الأشكال داخل البنية النحتية القائمة بذاتها، والخاضعة لتناسق موسيقي يبعث على الراحة النفسية والتأمل المُنغمس بالأبعاد المرئية وغير المرئية من خلال الكتلة والفراغ، والتوازن بينهما بترابط وتشابك يتلاءم مع النسق والثنايا الجمالية حيث تحتدم المعاني التي تضفي المزيد من الجمال في أعمال الفنانة شقير، وبتجريد ذي حركة محسوسة محكومة بالمسار، وبهيكيلية البناء للوحدات التي تأخذ عدة أشكال في المنحوتة الواحدة.
الفنانة "سلوى روضة شقير" ورحلة فنية استغرقت أكثر من أربعين عاماً من العطاء المشبع باللغة النحتية وتكويناتها التي تميل إلى الإدهاش الفني عبر النغمات الداخلية التي تتمتع بها أعمالها الملتزمة بالدقة بين المتجانسات دون أن تكتفي بالوحدة النحتية والمعنى الجمالي لها، بل سعت إلى التطور متأثرة بالفن الإسلامي والتكرار الإيقاعي فيه مستحدثة أشكالها بابتكار يعكس روح العصر لكي تتناسب أعمالها مع المفاهيم العصرية والقديمة في آن .دون اللجوء إلى التقليد أو الالتزام بأكاديمة فنية لا تستطيع الخروج منها تاركة مبررات منحوتاتها تحكي عن نفسها للمتلقي أو للنقاد، لتبدو رشيقة باندماجها وبالتبادل التوزيعي للكتل والفراغات مع الاهتمام بالانعكاسات التوافقية المتناغمة مع الشكل وذروة جمال المقاييس المنبثقة عنه.
ولادة في بيروت عام 1916، وخطوة فنية نحو محترفي عمر الأنسي ومصطفى فروخ. فكانت نشأتها في زمن الفنانين "الرواد" الذين التزموا بالكلاسيكية، ولامسوا الإنطباعية واستقروا عند أطراف مدارس الفن الحديث التي انتشرت غرباً وشرقاً في ذلك الزمن ،رافقت يوسف الحويك الذي جمع بين عدة مفاهيم في الفن الكلاسيكي وغيره ،وأكملت مسيرتها في عالم النحت متخذة من التجريد الأسس القوية في الاستمرار ضمن نهج الفكر الرياضي في النحت لتُخالف خطى حليم الحاج منتفضة على نظرية قيصر الجميل التي تدعو إلى الابتعاد عن المدارس الفنية الحديثة والالتزام بما يؤمن به ، كما أن الفرنسي جورج سير حثّ هؤلاء على اكتشاف هذه المدارس والدخول في بوتقة مفهوم الحداثة، لتختار سلوى شقير التجريدية بعد ذلك صفة تلازم أعمالها حيث أكملت مسارها الفني واستطاعت فرض نفسها كفنانة امتلكت مفاتيح النحت الخاص بها ، والقادر على تأسيس نظرية سلوى روضة شقير النحتية.
إرث فني سيبقى وإن رحلت الفنانة "سلوى روضة شقير " إلا أنها ستبقى عبر روعة أعمالها الفنية التي ستفتح الباب أمام جدليات نحتية، وأخرى فنية وهذا ما نفتخر ونعتز به أيضا لأن ما نحتته "سلوى روضة شقير" بأدواتها الفنية سيبقى كحضارة ترسم ملامح امرأة استطاعت تطويع المادة لخدمة أفكارها بروحية معاصرة، وتجريد يدعو إلى التأمل والابتكار والسمو بالفكر الإنساني نحو البقاء الذي يخدم التطور الجمالي، وبتفاعل يرقى إلى الجذب البصري العاصف بذهن جيل سيبحث عن كينونة أعمالها، ويكتشف ما يمكن اكتشافه من متركزات ومحاور رسختها شقير في أعمالها، لتكون رسالة حضارية ثابتة بقيمها التجريدية وتطلعاتها المعرفية والأسلوبية في هذا الفن الذي قدمته خلال رحلتها الحياتية الحافلة بالتطلعات النحتية وقدرتها على محاكاة الآخرين.
بين المعقول واللامعقول تدخل تركيباتها الهندسية عبر التجريد المطلق، لتعانق المألوف وتجمع الأشكال والأحجام المتعاكسة وفق قياسات المادة المحسوسة، وانفراجاتها التي تكشف عن قيمة الحركة النحتية والقدرة على تركيبها بصرياً، لتكون كالوحدة المثقلة بالجمال الراسخ في منحوتات لم تتركها الفنانة " سلوى شقير" وترحل، بل وضعت فيها من أفكارها ونظرياتها، وأبحاثها في الفن لتكون موجودة في أعماق كل عمل صنعته أناملها كجوهرة تشع منها الحياة التي توحي للآخرين باستكمال مسيرتها التي ارتكزت في قسم كبير منها على مفهوم الفن الإسلامي، لتتبوأ أعمالها أهم متاحف العالم كمنظومة متكاملة لحضارة تكونت من رسم وتصاميم ونحت محولة فضاءاتها الفنية إلى مفاهيم خاصة بها تسمح لكل متأمل لها باستخراج روحانية ما، وفكر هندسي مفتوح على إيقاعات التجريد المختلفة، فأطلقتها وجعلتها مفتوحة للتأويلات.فهل يرحل من يترك أفكاره تتجسد بين المادة والحس الروحاني ؟ وإن عاشت سلوى روضة شقير في الدنيا مئة عام ، فأعمالها ستحيا كحضارة هي رمز للمرأة التي صنعت من الجمال منحوتات تحاكي العالم.
***
Doha El Mol