الانعطاف البصري في الفن التشكيلي وجمالية الخطوط الهندسية
ضحى عبدالرؤوف المل
يستخدم الفنان " سعود عبد الله " الانحناء اللاجوهري في رسوماته التشكيلية ذات الإسقاطات الهندسية لخطوط ذي انحناء جمالي تتشكل من خلاله الفكرة الإنسانية ذات الرؤية الفنية التي تحاكي الخطوط من خلال الخط المنحني، وقدرته على فتح المسارات البصرية ذات الإيحاءات الثنائية والثلاثية الأبعاد مع الحفاظ على سرعة حركية يتميز بها الخط المنحني، وقدرته على الانعطاف البصري في الفن التشكيلي وجمالية الخطوط الهندسية ذات التعبيرات الإنسانية، فالحفاظ على المسار المنحني يمنح الخط البصري انطلاقة لا نهائية في فضاءات الألوان الترابية الفاتحة والداكنة ،ومع الأسود الواعي وإيحاءاته المرتبطة بالشعر أو الحجاب أو الطرحة التراثية أو حتى الاشكال ذات الليونة البشرية التجريدية من الوضوح العام، ولكنه منح رسوماته النهج الديالكتيكي، فما بين جدلية الخط ومحاورة اللون فراغات بصرية ذات فضاءات تخيلية لأشكال مغلقة متصلة ببعضها البعض عبر نقاط نسبية موزعة بدقة وتنظيم متناسق مع الألوان.
يسترشد الفنان " سعود عبدالله " بالخط الرياضي لبناء أشكاله الهندسية التركيبية ،الملتحمة ضمن فكرة جوهرية منحها صفة الديمومة، فالمقعر الممتلىء باللون الترابي أو الأسود أو حتى الأبيض المغلق مع الخط، والمفتوح مع اللون والضوء من حيث الإضاءة والسطوع، والعتمة والظل واختلاف التناقضات بين الخط واللون من حيث متصل ومنفصل،مغلق ومفتوح، كبير وصغير، مضىء ومعتم، وما إلى ذلك من تناغم تتضاد فيه العناصر الفنية في لوحة أحدودب فيها الشكل المتكىء على الخط المستقيم المائل بسيمترية ازدواجية تحقق للطابع الجمالي ميزة انعكاس الخطوط المنبثقة من سرعة خط المنحني ،وبطء الخطوط الأخرى إن وجدت في اللوحة . فالحركة التي يحدثها الخط المنحني تنعكس على تموجات اللون وتقولبه ضمن الامتلاء الذي يتلاعب به " سعود عبدالله" بين الممتلىء والفارغ،وجمالية المفاهيم الرياضية في فن تشكيلي بصري يحث الذهن على الاستكشاف الحركي لكل خط ذي انحناء لا جوهري. أو انحناء يؤدي وظيفته التشكيلية في الالتحام والتأليف،والتوافق المنسجم بين الفكرة والشكل .
تختلف الخطوط المنحنية في جوهرها عن المستقيم من حيث السرعة والقدرة على الانعطاف والتشكل، وكأنه يلتزم بخط مسير تخيلي كطائر محلق في فضاءات الحياة، ليلتقط من الواقع ما يستطيع تجريده رياضياً أو هندسياً، لنتأمل الأسس التشكيلية لامرأة أحدودب ظهرها أو لامرأة تطوي بليونة جسدها المفعم بالعاطفة الأنثوية المختبئة بغموض ضمن المنحنيات المغلقة بمرونة تشكّلت في الفراغات المستقلة بصرياً،وكأنه ينحت الشكل، ويمنحه الأبعاد المختلفة بثنائية متناسقة، وبتمايز بصري يعتمد على الكتلة وتكويناتها،والفراغ المستقل وما بينهما من ألوان تشتق من اللون نفسه بنسب مختلفة، وأطوال موجية متنوعة ذات دلالات درامية ترتبط بالإيقاعات المنبثقة من اللون ونغماته ،والخط وحركته والمحور البصري الذي ينطلق منه المتلقي ليتأمل اللوحة.
إدراك جمالي في كنه الأشكال وماهيتها المركبة من خطوط منحنية تنبض بالمسارات الفكرية ، المنسجمة مع الحجم ،والشكل، والضوء ،والفراغ، والظل في أعمال " الفنان " سعود عبدالله " التي تضعك أمام جدلية تنطوي على رؤية إنسانية مبنية على خط المسير الحياتي، وتشكّلاته وتغيراته الداخلية والخارجية المشبعة بالتضاد ،وبنغمات حسية مغلقة الإيقاع. أي تتردد صدى ألوانها في عمق الشكل ، وكأنه يحافظ على التأثيرات الجمالية من خلال التلاعب بفروقات اللون وانعكاساته ، والطابع الانحنائي للخط المتوحد مع الفكرة وخصائصها التأويلية إن بشكل رياضي أو هندسي أو حتى فراغي، فتحوير الفكرة هي بمثابة الكل من الجزء حيث يشعر المتلقي بتلاحم العناصر والموتيفات مع الكل، وكأنه يجذب المواد كلها نحو المنظور الفكري للخط المنحني وجماليته.
إن الغموض الحسّي في الشكل بثير الذائقة البصرية التي تتخذ من الأشكال ما توحيه لها بحيث ترى ما يتناسب مع الخطوط التي تجمعها بديناميكية فطرية نلتمس في معانيها العاطفة والعقل، والبناء، والتجريد، والهندسة، والرياضيات،فالخط النابع من الذات الفنية بموضوعية يخاطب،ويحاور ويجادل الألوان مع النقاط والقياسات التي ترتكز بالأساس على الفكرة المتخيلة ،والقدرة على تنفيذها بجمالية واقعية ملموسة في اللوحة ، والصياغات الانفعالية الواعية مع الأسود وجمالية التفاعل مع الكل بحيث نشعر أن اللوحة ذات حبك فني تشكيلي، نسترجع من خلاله الأشكال المجردة ، والفراغات والأحجام الممتلئة التي تستأثر بالحواس وتتوازن بصرياً بثبات منسجم، ومتناسق مع حركة السكون الناتجة عن تكوينات فراغية تلائم المعنى والدلالة للفكرة، ومستوياتها الشمولية المتميزة بالمفاهيم المنطوية على أسلوب انحنائي ينقبض ويتقعر تبعاً للنظم اللامحدودة للخط واتجاهاته ومساراته ،وتشكّلاته الباطنية المتوائمة مع الظاهر نوعا ما.
يقول برجسون:" إنني لأنظر وأظن أنني أرى، وأنني لأصغي وأظن أنني أسمع، ولكن ما أراه وما أسمعه من العالم الخارجي إنما هو ما تنتزعه حواسي منه حتى تنير السبيل أمام سلوكي" ما نراه في لوحات الفنان " سعود عبدالله " من الانحناء وتواجده في الحياة هو بمثابة الغفران الحسي الذي يمنح القيمة للوجدان ، فسرعة هذا الخط تتفوق على المستقيم برغم أنه انبسط وامتد، وتواصل مع النقاط على عامودية أو أفقية أو مائلة بينما المنحني يتشكل بليونة مع الأشياء ،ويبدو واضحاً في مساراته التي استطاع " سعود عبدالله" منحها صفة رياضيات الحياة و الجمال الفني.
Doha El Mol