خطوط فنية عميقة وجودياً يثيرها خالد البوشي بتناقض معاكس

ضحى بدالرؤوف المل

يحاول " خالد البوشي" بناء علاقة بين النقطة والدائرة والخط ، وربطها بمفهوم العالم الكوني، ليأخذ المتلقي إلى عوالمه النورانية في رحلة كوكبية نحو فضاءات متخيلة تجعلنا نتفكر بالذات والخلق والكون، فحركته العبثية بدائرية خطوط فنية عميقة وجودياً يثيرها " خالد البوشي" بتناقض معاكس لفكرة العدم من خلال الخط الأفقي المتكرر بتعرج متين، فأساليبه الفنية شديدة التأثر بفكر يرصد الحركة الكونية. يتأملها! ينكرها ! يعترف بها ! يتساءل بثنائية تصويرية تحليلية، لما يشاهده من تغيرات راسخة زمنياً، لكنه يطبعها بطابع معاصر،ليؤكد على مفهوم الجوهر الخلاق، للتكوين الكوني الغارق بجمالية العتمة والنور، والظلام والضوء، والأبيض والأسود ، وفلسفة حيادية لها محاورها وخصائصها التدريجية لونياً، المنسجمة بموضوعية مع انفعالات إنسانية تحفز الحواس على فهم ما وراء النقطة والخط والدائرة.

رؤية ثنائية وثلاثية يلتقطها حسياً، ليربط المساحات ببعضها، وكأنّه رأى الماضي والحاضر والمُستقبل، واسترجع أوجه التشابه والتنافر بين الأزمنة المتشابهة والمختلفة في آن، فهو يبحث عن تحرر عقائدي يثير فيه روح الإيمان بالقدرة الكونية المتعلقة بدائرية الكون والقدر والإنسان محاولاً ترجمة كل نقطة ، ليفسر لنفسه أولاً أنه ضمن نظام هندسي مذهل،وفراغ تعبيري له قدرة تشكيلية تؤثر على أبعاد اللون الواحد، واستقلاليته عن الآخر،متلاعباً بالفراغ والمساحة والضوء ، والتشكيلات الهندسية التجريدية باحثاً عن المطلق، نافياً العدم ،متمسكا بالوجود متأثرا بالعتمة، منبهراً بالضوء ،سابحاً بنفسه كنقطة في مجرات ساجدة تعتمد على الدوران الهندسي الإيقاعي المتوازن ،الشبيه بحركة الطواف أو بحركة الرقصة المولوية، لنغم يحقق حالة من التأمل تجبرك على الوقوف أمام لوحاته، وكأنك أمام نافذة ترى من خلالها حقيقة الكون وتجلياته ، وحوارات ثلاثية قدمها كدوائر كاملة متوازية مع الفراغ وخطوطه الاستوائية المتصلة بالحياة، وبخط مسير أفقي تركه متعرجاً بسماكة متباينة متقطعة أحياناً، وتؤدي إلى بناء علاقات متشابهة متوازية تتضافر بينها الألوان الممزوجة بموجات طولية متناسقة لها تكويناتها الخاصة البيولوجية والفسيولوجية ،ليزودنا بحاسة إدراكية تجعلنا نفك الرموز الإيحائية والتعبيرية، لتصبح أكثر دقة بصرياً، لنتأمل جميع الاتجاهات الفضائية المفتوحة لنقطة ربما! تكون أنا ،أو أنت،أو هو، أو هم ، أو نحن معاً، أو الحياة البشرية، أو هي عالم الذر الماورائي، فالعوامل الحركية في لوحاته هي كونيات لها وجودها وجماليتها ،وهندستها الرؤيوية الخلاقة، وكأن الموتيفات كلها تخضع لنظامه الفني الخاص،فتتعاون فيما بينها لبناء لوحة تطلق العنان للعقل ليتفكر في الكون ،ويتساءل من أنا؟ لماذا أتيت ؟ وماذا أفعل في هذا الكون ، وما أنا إلا جرم صغير أو جزء من ذرة تنتج كل هذا التكاثر الذي يقودنا إلى الموت والحياة ، وإعادة الدائرية في كل مرة تنشط فيها الحياة أو تتحرك عاطفة تجدد النشاط الحركي الدائري لفاعلية الأجزاء أو العناصر المتعددة.

مؤثرات ضوئية تؤثر ذهنياً على التحكم بالرؤية الفلسفية التي تخضع لمفهوم الوجود والعدم ،ولمفهوم العتمة والضوء، والنقطة الساكنة والمتحركة، فالنشاط الذهني الواعي له أفعاله اللاواعية ،على ريشة اكتسبت مرونة جعلتها كراقص صوفي في حلقة دائرية تتضح من خلالها الخطوط المرئية، والانعكاسات الأخرى الموجودة خارج كينونة المادة التي يتشكل منها الإنسان، وتتألف منها لوحة،مثل الحبر ،والريشة ،وفكر يرسم حتمية الوجود ،والقدرة على خلق الجمال التجريدي الموصول بالحركة والسكون ،والإيقاع اللوني المتوازن، فتغدو النقطة هي البداية والنهاية، وهي الحركة الضوئية المندمجة مع العتمة عفويا ،وبوعي فني أظهره "خالد البوشي " معتمداً على الاختزال النمطي الموحد في الأشكال أو الكتلة المتباينة دائرياً أو بالأحرى بيضاوياً.

سماكة خطوط تتناقض مع ذاتها وتعرجاتها ، فما من تقاطعات احتكاكية في دائرة تلتف ككرة صوفيه بعيدة حسياًعن أي سينوغرافيا لونية، ليتجرد " خالد البوشي" فنياً من أي شىء ،ومن كل شىء فارضاًعلى المتلقي فهم العلاقات ورموزها المتلائمة مع الأشكال ، فالدائرية المتعرجة المكتملة تارة مع الأبعاد الفراغية، وتارة أخرى مع الخطوط الأفقية المتوازية . تحمل أوجه شبه عديدة ،فخيوطه الضوئية نشأت من عتمة. بل هو جعلنا نشعر بالانفجار الكوني، وبداية الكون من العدم. لنجد الحركة الفعالة لكل نقطة هي نواة الدائرة. بل النقطة المحورية الأساسية لكل فكرة بدأ بها لوحة ما.

خطوط متداخلة تائهة أحياناً لا تستطيع تحديد معالم ذاتيه من خلالها، لكنها تحدد الأبعاد لمفاهيم فنية، وأحيانا تتآخى بتجرد يحاكي المفاهيم الكونية المستعصية على الفكر تاركاً للون فراغاته الحسية، ولمساحات دحاها بصريا، لتحاكي قصة الكون وحرية نقطة حررها " خالد البوشي " من القيود الإنسانية والتشكيلية ،ليتوحد معها بكينونة جوهرية فجرها على صفحة بيضاء، ومع كل خط تعرج تحت سماء كونية، لينفي كل تشتت فكري ويجمع الأشكال والألوان وفق التناقض والتضاد بين أبيض وأسود ، ورمادية لها تدرجاتها النسبية الخاصة المسببة لتناحر الحواس، ليستعيد البصر كل وحدانية متوائمة مع محور الدائرة أو الكتلة المتداخلة والمتشابكة ساعياً لاكتشاف الحقيقة الكونية من خلال اللون والخط، وقدرة اليد على الاتصال بالفكر وفلسفة انعكاسية لها معاييرها العقلية والجمالية التي جعلتني أقول قول الإمام على ابن أبي طالب " أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر" ؟!.

Doha El Mol