روح العصر الشرقي الذي يحدد معالمه" مارتن باير" بدقة فنية.

ضحى بدالرؤوف المل

ينطلق " مارتن باير" من خصوصية مميزة نسبيا. تتناسب مع الحركة والاتزان اللوني، والتصاميم الهندسية واللونية المؤدية إلى خلق مؤثرات إيقاعية تصويرية تساعد على إظهار التفاصيل الضوئية الدقيقة، والمؤدية أيضاً إلى اكتشاف منابع الرؤية الجمالية المساعدة على الإدراك البصري، والقدرة على رسم التعبيرات القوية والمقروءة على ملامح الوجه، والجسد ومن على سطوح لوحة استشراقية توافقت عناصرها مع رؤاها التشكيلية.

تتألق الألوان وتتداخل إيجابياً، فينتج عنها توافقاً هارمونياً منسجماً مع روح العصر الشرقي الذي يحدد معالمه " مارتن باير" بدقة فنية لا تخلو من مهارة خيالية في تأليف المشهد الفني، المتناسق مع الأضواء والألوان والبيئة الاجتماعية الشرقية الغارقة بالإبهار اللوني المنعكس على الزي وملامح الوجه ، وافتتان الفنان الغربي بالفنتازيا الشرقية ، فصوّرها وفق رؤية هندسية حافظت على المقاييس الكلاسيكية، والمسافات والشكل والتأثير الضوئي المرتبط فسيولوجيا بالطول الموجي لكل لون ومساراته المتداخلة مع الألوان الأخرى.

خواص فيسيولوجية تظهر على الأشكال اللونية الناتجة عن مؤثرات فيزيائية، لنقاط معتمة ومضيئة تكشف عن عمق الرؤية الفراغية التي أتقنها " مارتن باير" من خلال إدراك العالم الخارجي،ومدى توافقه مع العالم الداخلي في اللوحة لتتوازى الموجات اللونية الطويلة والقصيرة، وقوتها البصرية التي تجعل من اللوحة كتلة متكاملة، وكأنها مشهد حي نتأمله وجدانياً، لنشعر بالانفعالات الحسية المنبعثة من نظرة المرأة الشرقية، وقوة الترابط العاطفي معها، وكأنها تشاركنا الحوار الفني وجمالية الأنماط الفنية المحيطة بها، فالتضاد الضوئي في لوحة " مارتن باير" الشبيهة بالموناليزا، ولكن بنظرة امرأة شرقية تلفت انتباه المتلقي لها، وكأنها تمارس طغيان جاذبية لتحدث تأثيرات فنية متباينة من حيث جمالية الشكل والمضمون، والحركة الزمنية المتجددة والمتماشية مع المكان الأسطوري، والتناسق المشبع بمعايير منظورية للبعيد والقريب،والرؤية المثيرة حسياً للإدرك البصري.

يتحكم " مارتن مايير" بتصميم الحركة في الخطوط الهندسية، والتلاعب بدرجات الشدة والخفوت، لتستوي السطوح وتتوازن الألوان نسبياً مع الضوء المثير للغموض وللظلال المتخفية، والمتغلغلة بين العناصر الفنية الساكنة أو المتحركة، بما يتواءم مع وحدة التكوين والتوليفات الفنية المصبوغة بتعبيرات واقعية لها انطباعاتها المرئية الأكثر مرونة وتشكيلا من حيث الأبعاد والمنظور،والمثلث الرأسي المتعدد الزوايا، مما يخلق محاكاة بصرية إيهامية تتشعب بتميز فني ينعكس على الأشكال الهندسية . المخفية داخل الكتلة اللونية، ونسيج اللوحة العاكس للضوء، وكأنه يترجم فانتازيا شرقية تفتح الرؤى الخيالية نحو عوالم يقارنها بعالم غربي يختلف بكل تفاصيله عن الشرق، فهل الاستشراق كان وليدة أفكار وإبهار يعتمد على الحس الفني ؟ أم أنه مقارنة بين عالمين متناقضين حتى بالشكل؟.

ألوان مركبة باردة وحارة ، وسمرة بشرة تزيد من جمالية لوحة استشراقية تركت للخلخال عند كاحل المرأة ألف معنى ومعنى،وللإبريق النحاسي حكاية الف ليلة وليلة، ولبروز الأنف وللوشم تقنية تجعلنا نغرق في تأمل التفاصيل والملامح لامرأة تقاوم بشرتها حرارة الشمس وعوامل الزمن، وكأنها زمنية الوجود ودائمة البقاء في لحظة فنية احتفظ فيها " مارتن باير" داخل ذاكرة لوحة تمتلك بنية روحية لشرق منحه طابعاً غجرياً، ومعايير معرفية تعتمد على مفهوم الاستشراق وجذوره الاجتماعية فنياً، والتي تشكل جسر علاقة بين الشرق والغرب، ولحظات تأملية تجعلنا نحتفظ شرقياً بخصوصية فنية وتفرد في السمات الانطباعية، لتصورات اتخذت من مفهوم الاستشراق الفني طابعا لها.

ديناميكية جمالية دمج فيها " مارتن باير" البورتريه مع المنظر الطبيعي، وصور الحياة المأخوذة كجزء من مكان شرقي منسجم مع شخوصه المتمايزة بالإضافة إلى الخطوط المائلة والأفقية، وتوازناتها الهندسية داخل لوحة اعتمد فيها باير على الأزياء التي تغطي الجسد، والزخارف الوشمية والاكسسورات التزينية التي تستعملها النساء في الشرق، وكأنها رموز ميثولوجية لأزمنة ما زلنا نراها بأساليب مختلفة، وكأنه يجسد تراثاً شعبياً لشرق أبهره جمالياً، وربما أراد من خلال ذلك إظهار الفروقات في الزي والملامح والمعالم الفنية وقيمها التشكيلية.

رؤية موضوعية عميقة فرضها " مارتن باير" فنياً على الأشكال والألوان ، والوحدات التكوينية بوصفها موتيفات تخلق مضموناً روحياً يمثل روح الشرق وسماته البنيوية المناقضة لكلاسيكية هندسية ، انتهجها وتمرد عليها لونياً، ليمسك ببانورامية تفصل بين الشخوص، وما تجسده الخلفية من انطباعية لطبيعة تسود فيها الحركة والسكون، لتولد جمالية استشراقية تنوعت مدارسها الفنية، واتخذت من الموناليزا مبدأً لها ، ومن قصص ألف ليلة وليلة رؤية مشهدية ذات انصهار مضموني وأسلوبي،لريشة واكبت افكار" مارتن باير" والتزمت بالأبعاد الداخلية التي حددها لها والأوجه المختلفة للمثلث وتوزيعاته التقنية التي ساعدت على تشكيل اللوحة، وتناسب الإيقاع مع المنظور الهندسي، وبما يلفت انتباه المتلقي، وملامسة الحواس لموتيفات تم توليفها بميزة شرقية أظهرها جذابة، ومؤثرة وحالمة ومقترنة بامتيازات هندسية حافظ " مارتن باير" على الالتزام بها بدقة أكسبت اللوحة صورة استشراقية زمنية شاعرية تثير المخيلة، وتفتح أبوابها للوجدان كي يبحث عن المفاهيم الرومانسية التائهة عند صلابة نظرة تحاكي الرائي، الباحث عن مواصفات المرأة الشرقية في الأساطير والحكايا الشرقية.

يجمع " مارتن باير" بين الواقع والأسطورة، والحقيقة والخيال والنظرة الفنية الانتقائية البسيطة والمعقدة، والخاضعة لبصمة استشراقية التقطت أفكارها من رؤية جدلية تشكّلت في التجانس اللوني والهندسي، وفي الأبعاد الفنية لفكرة حريم الشرق ، والاحتكاك الغربي بذلك، ليكشف بايرعن لوحة تحليلية ذات ملامح فنية متوازية هندسياً ،محاولا خلق مقارنة بين المضمون والأسلوب، وبين الغرب والشرق والمنظومة الفنية المحبوكة شكلا ومضموناً،والبعيدة نوعاً ما عن القوالب التي تهدف إلى خدمة الرؤى الاجتماعية والسياسية لوجود المرأة الشرقية في الأعمال الفنية. إلا أنها تشكّل حواراً منطقياً تتضافر فيه العناصر الهندسية الفنية الإبداعية ذات القيم والمعايير الجمالية الشرقية أو بالأحرى الاستشراقية

Doha EL mol

اللوحة من مجموعة متحف فرحات