زخم الحركة الهندسية المغايرة بدقة منظورها فنياً

ضحى عبدالرؤوف المل

ينبثق الحرف في لوحات " محمد طوسون " من الضوء واللون المتمايز فكرياً، والمدرك قيمة المعنى المتجسّد في روح لغة قرآنية تتجسد مضامينها في زخم الحركة الهندسية المغايرة بدقة منظورها فنياً في الحروف القرآنية، والارتداد المعاكس والمتناقض للخطوط وجمالياتها التي تنطوي على حروف نورانية قرآنية تجعلنا نرى النقاط وجوهرها الثابت والمتغير ،كطبيعة كونية محمّلة بألوان تسرد لنا بدقة، وإتقان المسارات الكونية التي تبث روح الحركة الدائرية أو العودة إلى النقطة الشبيهة بكل ما حولنا إن على الأرض أو في أجسامنا بوعي نتوافق ونختلف معه. فالتصوير الفني في الآيات القرآنية يحتاج لطاقة فلسفية ،يقينية نصوغ منها كل رؤية تنبثق من مخيلة تعبيرية ذات ملامس رؤيوية، كونية تظهر واضحة في اللوحة الحركية الشديدة الأبعاد بصرياً، والصامتة فراغياً، فتلافيف الحركة حول الظل يولد تكسرات نراها في الأجنحة المنسجمة موسيقياً مع اتساق المعنى وإشراقة الكلمة، فالدلالة الحركية للون الأصفر تشع ضوئياً في أكثر من لوحة يستريح البصر عند سكناتها وحركاتها وأحرفها الممدودة بتناسق مع الحروف الأخرى، المتآلفة تشكيلياً مع بعضها البعض دون أن يختصر " محمد طوسون" من الكتلة السابحة كونياً روح الجمال الجوهري للكلمة ،ومعانيها الروحية وتشكيلها اللوني والهندسي المتوائم مع ليونة الخط ودائرتيه أو منحنياته، مما يوحي بالعاطفة الممتعة للعقل وللوجدان، وقوة تأثره بجمالية الحرف وتكوينه وشدة ارتباطه بالحرف الآخر، فهو يفي بمقياس كل حرف محسوس تعبيرياً، ومتخيل من المعنى الذهني المؤثر في النفس ، فالخيال عند " محمد طوسون" ملتصق بالحضارات المصرية ورموزها وإيحاءاتها، لكن أيضاً لكل كتله عمقها الصوفي المتأثر بالحروف العربية القرانية، فهو يبلغ الذروة في الوضوح وطريقة الآداء، ليؤدي تماسكه المضموني والأسلوبي، متخذاً من صياغة الكلمة حركة تتشكل منها الصورة التصويرية المحسوسة، والمتضمنة اللفظ القرآني الجمالي المحسوس، وكأنه يؤلف من كل مشهد حي ما يملأ الحواس والوجدان شعوراً جمالياً وفنياً ينوء اللون بإظهاره بشفافية متناسقة تصويريا.

يكشف” محمد طوسون" عن الصورة الموحية للحرف القرآني المقترن بتجليات الكلمة من خلال حركية الخط البياني الكاشف عن دلالات اللغة، وكينونتها ومستويات الوعي الذهني، لكل لون يحقق متعة بصرية وبلاغة فنية تنطوي على منظور تتنوع فيه المستويات، لتلتقي الحروف غالباً عند خط واحد يساعد على الالتفاف، كمحور متحرك يجعلنا نرى الأبعاد في اللوحة، وكأنها منحوتة تعنى بجمالية لا نمطية لها ميزتها الكونية.

مؤثرات نغمية تنبعث من حركة الحرف المرتبط بالنغم البياني، والشكل الحروفي المنتظم والصارم أحياناً لالتصاقه بالهندسة وإبراز تحولاته السيمولوجية ،محاولا السمو بالرائي روحياً في حركة معراج صعودية تعتمد على المهارات التكنيكية والفنية والفهم البلاغي للآية القرآنية وحرفها التعبيري المفتوح على مناخات لونية لا تخلو من تضاد اعتمد على المكونات الكونية ودائرية الكواكب المحيطة كبيرها وصغيرها، فالحس الجمالي الإيهامي إلى جانب الأبعاد المتخيلة الشبيهة بنظام الكرة الأرضية المتميزة بالشكل الهندسي، لكل حرف عربي يتداخل مع القيمة الفنية والإحساس بحركة الحرف الموسيقية،وللانعكاسات الضوئية لكل لون يحمل دلالة حرف يتناغم مع الشكل واللون ،والضوء، والظل، والفراغ، ليمنح الرائي هوية عربية بصرية ذاتية، لكل آية رسمها بأبعاد تحمل دلالات سينوغرافية، لنرى الحرف كأنه كائن حي له تسبيحه الصامت سمعياً ،والحركي لونياً وهندسياً، لنشعر بجمال المضمون ودرجات الخطوط المتعددة المصقولة بتموجاتها وانحناءاتها ،عاموديتها وأفقيتها، والنقاط المحورية لكل حرف كيف بدأ ؟ وأين انتهى؟ وما هي الرموز الدلالية لفكرة كل حرف تصويري تمثيلي متحرك وملتف محاولا منح الآية شموليتها وكينونتها ،معتمداً على لغة تصويرية مرئية تجعل كل متلق يتواصل مع الحركة ويحاور نظم الكتابة التجريدية، وبشكل معاصر شبيه بالرقمي ومفاهيم الألوان التكنيكية الساطعة ، والمثيرة للدهشة لكل لون أساسي ومشتقاته ودرجاته المتوائمة مع كل كتلة ومساراتها الخطية العامودية والمتعرجة.

أشكال تتغاير اتجاهات خطوطها وفق حركة الحرف أو جسده الهندسي، والامتلاء المكثف على خط واحد يختزل من المساحة. ليترك الفراغ يترجم كل نقطة وهمية، وكل دائرة لونية ذات بعد جمالي تكويني متفرد بخصوصية تركت الحرف يلامس سطح اللوحة، ومن ثم يسبح مع المجرات، ليتخذ مكانه في الكون ككائن حي له وجوده المادي والمعنوي.

لا شك إن خفة ورشاقة الريشة في تطويع حركة طواف الحرف لها أثر على خلق توافق ديناميكي. دقيق مع الحروف الأخرى بكل مفرداتها ورؤاها الكونية الموحية لقيمة الحروف النورانية، ولبهاء المعاني وتضادها المؤثر على ملامح الكتلة ومضمونها التعبيري الظاهر تصويريا، والمتباين هندسياً من حيث المنظور، وانعكاس اللون والحالة الميلودرامية وتوازنها في اللوحة. مما يجعل النقطة والخط ، واللون، والضوء، والظل والفراغ في ارتفاع تتناقض فيه المستويات الفنية ، لكل مفردة متعددة المعاني الإيحائية والابتكارية، لنتفاعل مع الرؤى والأفكار وملامح كل كتلة لها عناصرها المتولدة من الحرف العربي وتفاعلاته ، من حيث الجوهر والمعنى والمضمون والأسلوب الناشط ضوئياً، والمتماسك لونياً.إذ يبدو اللون جامحاً نحو شدة السطوع، وقوة الحروف الشديدة التشابك بينما تنفرد النقاط الأخرى، مما يخلق إيقاعاً حيوياً يجعلنا نرى انصهار الضوء في لوحات الفنان المصري" محمد طوسون " مع الآية القرآنية والإيقاع الداخلي للمعنى، منتقلا من شفهية الصوت للآية إلى تجسيدها بالحركة واللون وفق تفاصيل فنية ذات صدى خارجي بصري. تستمتع حواس الرائي به، فهو يحيل التكرار إلى هيمنة منفصلة عن الآ ية وذات دلالة زمنية مرتبطة بحركة الطواف الدائرية للمجرات، وبالأبعاد المسببة لتوحد العناصر ضمن نسق لوني متعدد الدرجات. لأن ترادف الظل والضوء يظهر تكسرات تنطوي على خطوط مائلة حادة رغم ليونة الخط المائل، مما يجعل تجليات الآيات تتراوح بين الترغيب والترهيب الظاهر من خلال التضاد الحركي واللوني، وبهذا نرى ذهنياً فضاء اللوحة وجمالياتها من خلال توازنات الضوء والظل، ومن خلال السكون المتجسد ببقعة الضوء التي يتركها في كل لوحة تحمل رسم آية قرآنية كما في لوحة " الرحمن علم بالقلم"

Doha El Mol