ازدواجية سيمترية مع استرسالات الخطوط
ضحى عبدالرؤوف المل
يتطلع الفنان (فاخر محمد ) إلى دائرية الكون قبل أن ينطلق في تشكيل ألوانه الصارخة بتوهجات الحياة، وأضدادها المتنافرة والمتناغمة لكونها تمثل نقطة الانطلاق نحو الحياة بكل مفاهيمها النقدية والجمالية، وما ينعكس عن ذلك من قبح وجمال، وشر وخير، وموت وحياة، وأبيض وأسود، وما إلى ذلك من تناقضات هي بمثابة نقطة تكبر أو تصغر حسياً. إلا أنها تمثل كينونة الحياة بكل مفاهيمها الدائرية، والمعنى الجمالي الغارق برموز جغرافية ترجمها بطلاسم لها جذورها العراقية، كالخطوط السوداء العريضة التي يتركها في قسم معين من دائرة فلسفية تحملها لوحة فنية ذات أشكال تشكيلية لها رموزها الغامضة، ومعانيها اللونية العميقة وظيفياً حيث تتفاعل الألوان مع الخطوط والتقسيمات الدلالية ذات المكونات البصرية التي تعتمد على مرئيات استقرائية يصعب فهمها، رغم بساطتها من حيث المعنى الفلسفي، والمبنى اللوني المتداخل مع مساحات هندسية هي بمثابة تأسيس لفكرة أضفى عليها الفنان «فاخر محمد» فلسفة فنية خاصة به تبدأ طلاسمها بالخط الأسود وفاعليته كلغة تعبيرية يشير من خلالها إلى تراث فني عراقي ذي أبعاد تشكيلية عميقة تاريخياً. ليمنح لوحاته تشكيلات توحي بمضامين تراثية لها تاريخها المنسجم مع الرؤية المتماسكة، والمتلائمة مع المسارات الساكنة والصاخبة لونياً. ليبرز دور الدائرة جمالياً وبصرياً، وتصبح أكثر فعالية مع سيمترية يتماثل من خلالها الخط العامودي بتوازنات تقريبية ذات حرفية سعى من خلالها «محمد فاخر» لينطلق من الفكرة نحو الرؤية وبالعكس. لنستمتع بعدها بلوحات تصويرية تضم بتعبيراتها جمال الفن العراقي، وما يحمله من ألوان خاصة لبيئة تبحث عن الإشراقة والبهجة.
عوالم ذاتية تعبيرية وهندسية تعج بتفاصيل غمسها بموروثات حضارية لها إطارها الوظيفي فنياً من حيث أسلوبها الدافئ حسياً، كالدائرة الحمراء المخلوطة بالسواد، في لوحة توازنت فيها الأبعاد الجمالية التي تتخد من الكلاسيكية حداثة ذات عمق فكري تتنوع فيه الأشكال، والأحجام والفراغات، والكتل التي يستنطقها اللون الأبيض بصرياً، والأحمر المتحرك والساكن، والمتداخل بجمالية مع الأسود، فالتدويرات الممدودة على سطوح لوحاته، والتي تتخذ أشكالا متعددة يربطها المتلقي ذهنياً مع الدائرة الأساسية التي بدأ بها لوحاته الفنية ذات السمات المميزة فنياً من حيث البساطة في الخطوط والرقي في اللون، والمفهوم الهندسي اللامتناهي الشبيه بالنقطة حيث لا نهاية ولا بداية.
ازدواجية سيمترية متناغمة بصرياً مع استرسالات الخطوط غيرالمألوفة تشكيلياً،فهو في تقسيماته الدائرية يتجاوز حدود طلاسمه المغموسة بفضاءات تخيلية تتخطى حدود الزمان والمكان، والعلاقات الجدلية حيث يرفع قيمة التحاور البصري في لوحات هندسية، ويخفضها في لوحاته التعبيرية المجردة من أي سرد يطغى على نمطية حركة اللون الانطباعي الصامت، والمحتوى التقني للوحة جمع فيها الألوان بدينامية حارة وباردة، وكأنه يجمع الماء والنار في دائرة بحر مسجور، كالأبيض مع الأزرق والأحمر مع الأسود. ليضع البشرية بين خطين مستقيمين يجمع بهما الولادة الحياة والموت من خلال مفاهيم الألوان البني المركب مع الأخضر والأصفر، وفي هذا انطلاقة جمالية تجعل المتلقي ينتقل من الدائرة إلى بداية الحياة حيث العودة إلى جذور العراق وإلى رؤية الماضي الذي اشتاق اليه الفنان محمد فاخر.
تقنية فنية يتلاعب فيها بصرياً، ليلعب دوراً فنياً قوياً بمفهومه الذي يتراوح بين البساطة والتعقيد، والتنوع الصاخب والساكن الذي يتولد منه جزئيات لونية عشوائية مفعمة بتضادها المتشابك، وغير المنطقي إلا أنه يمنح اللوحة لمسة مؤثرة، وكأنه يبحث عن السلام في ظل متناقضات متعددة. بل ويغرق في متاهات الأسود والأحمر، ليصل إلى الألوان الباردة بحتمية تقودنا وجودياً حيث نحن. ليشعر المتلقي بقوة الواقع من خلال التنقلات البصرية بين لوحات تتناقض وتنسجم فيها المفاهيم الفنية التشكيلية التي يتقيد بها، ومن ثم يتحرر منها، ولكن بنقد يوجهه للحياة من خلال الألوان التصاعدية بتدرجاتها، وموجاتها الطولية الخاضعة لسلطة الخط الذي يحد من التداخلات البصرية، والتعبيرات الخاضعة لذكريات تحمل من التراث والأساطير مكونات تخيلية لها جمالها الخاص الذي نلمسه في لوحات تنطق بانطباع فلسفي فني يروي حكاية الوجود. يحاول الفنان «محمد فاخر» ابتكار أساليب فنية متميزة بمضمونها، وبأشكالها المتمردة على الفن، ولكن وضع نفسه أمام جدليات نقدية تأثربها لونياً وهندسياً، وكأنه يبحث عن الشىء وضده لإظهار فضاءات واقعية تعكس جوهر المخيلة بغية الوصول إلى تقنيات يروي من خلالها عظمة بلده العراق، والنسيج الجمالي لطبيعة تتنوع فيها أساليب الحياة ما بين قساوة وليونة،وشاعرية وفلسفة، ومنطق جدلي كألغازه في تقسيم دائرته الفنية كما يحلو له، وبتقنيات خطوط غير مألوفة بتأويلاتها ودلالاتها السيمائية، مما يدفع الحواس إلى استقبال اللون باعتباره لغة لها مفرداتها التحاورية والتأملية، المعاصرة بأركانها التعبيرية المبسوطة على سطوح لوحات ذات مستوى جمالي متدرج بين المنطق والفلسفة والهندسة الفنية، والتعبير الذي ينم عن فهم الحركة والقدرة على صياغة عمل فني متجانس رغم التضاد والتناقض، والنغمات المبعثرة موسيقياً، وكأن ريشته تنثر ثيمات موسيقاها بين حدود اللون واللون والفراغ والضوء.
تكوينات تعبيرية متوالفة حملها كعصافير تحدث نغماتها في فضاءات مخيلته، وعبر مساحات انسيابية تفضي إلى إيحاءات يستريح عندها البصر بعد تأملات مغايرة، فكل لوحة من لوحات الفنان «محمد فاخر» تختلف عن الأخرى من حيث الرؤية البصرية الذي يشعر المتلقي بها، ومن حيث مفهومه الهندسي الذي ينتقد من خلاله المفاهيم الحياتية الذي تمنع عن الإنسان الاستمتاع بالجمال، وتخلق صعوبات شبه مستحيلة في إيجاد سلام داخلي يبدأ من الفرد كنقطة، وينتهي عند الجماعة كخطوط مستقيمة وافقية وكل ذلك في دائرة الحياة.
Doha El Mol