صياغة لونية تشكيلية ذات متغيرات
ضحى عبدالرؤوف المل
تزخرف «منى نحلة» (Mona Nahleh) مستطيلاتها بتعابير إنسانية تمنحها صفة تراثيات ميثولوجية تحاكي بها الطبيعة المتفردة بجمالها، فهي تشارك العناصر الحياتية بمتناقضاتها، لتضع الجماد عنواناً لجمود حياتي تشعر به من خلال الألوان الداكنة التي ترافق مستطيلاتها أيضا من حيث الذوبان اللوني، المتلاشي أحياناً مع الأبيض ذي المؤثرات البصرية المؤدية إلى صفاء ينتج عنه قدرة على الاستمتاع بالألوان المركبة، والأقل ضوءا من الألوان الأساسية التي مزجتها بتقنية حسية نبعت من اللاوعي الفني الكامن في فرشاة تبحث عن ذاتها في الآخرين، وفي وجوه مقنعة بملامح حزينة حيث الواقع التعبيري المفقود إلا من طبيعة تغمرها بوشوشات طيورها أو بالأحرى ألوانها المخبأة في لوحة تحاكي فيها عناصر الطبيعة وفق انطباعات الواقع المتخيل لرؤيتها التي استخلصت منها فكرة تعكس صياغة لونية تشكيلية ذات متغيرات تخضع لقانون الجماد والحركة.
سرد موشح بهمس فرشاة تبحث عن كل الألوان في اتساع أبيض تستريح عنده،فتوحي بنبض ضوئي مضىء حسيَّا، وبإشباع لوني بارد يتناقض مع الخفوت في الألوان الداكنة، لنبحث ذهنياً عن احمر أو أصفر داخل الأبيض المتسع في لوحات تركتها تحاكي انطباعياً الحياة، وعند كل فراغ منحته توشيحات متشابكة لتوهم البصر بفواصلها الفنية القصيرة المدى. حيث أنها استطاعت إغراق اللون بمفهوم يعتمد على الالتباسات الفنية، وكأنها تثير تساؤلاتها بواسطة الحركة البطيئة في لوحات باردة شبيهة بحبة لؤلؤ تتراىء منها الحياة، وهذا ما يجعلها تضع المستطيلات أو المربعات حيث الزوايا العاطفية بشكلها المبروم قليلا، لتبتعد عن الخط الحاد ومفهوم تشكلاته مع الخطوط الأخرى.
ألوان مرئية تخيلية تتقابل،تتناغم،تتماثل، تتنافر، تقترب، وتبتعد وفقا للزوجة اللون الأبيض وشفافيته، والنظم التشكيلية المؤلفة من إيقاعات نغمية تتوازن، كموسيقى رومانسية تدعونا بصرياً إلى تأملها من خلال الإيحاءات المنبعثة من دلالات اللون الجمالية ومن الوجوه المعتمة والمرصوفة، كحجارة مرمية من قلاع مرّ عليها الزمن، بينما تركت للزهور صفة ضوئية تعيدنا إلى رمزية روحية هي للنقاء والصفاء، وإعادة بناء الذات حيث الجوهر الفني في لوحاتها الغارقة برومانسية اللون الإبيض،وبالشكل العرائسي التي خرجت منه في لوحات أخرى إلى الأنثى، والانطباعات الجمالية التي تركتها في ثوب أبيض لامس حرارة اللون الأصفر، وتناقض كلياً مع الأسود المتشائم والحزين، ومع وجه يطل بقساوة وسط عتمة وضمن شكل غامض يفتقد للضوء، وللحظة تجمع الرجل والمرأة بعيداً عن مفاهيم الخطيئة والطهارة. بل في لوحة هي عنوان الوجود والحياة المغردة ، كالحمائم في لوحاتها التي لم تطر. بل اختارت الوقوف على الأرض قرب الوجوه المتحجرة .
أسلوب برغم رومانسيته إلا أنه يلامس السريالية من خلال اللون، والحزن الذي يغمر لوحاتها المضيئة والممتلئة بالأبيض، وكأنها تحاول أن تخفي حزنها بكل ألوان الحياة الطبيعية التي جمعتها في أبيض يعكس قوة الحزن في أعمال عرائسية تضج بالأنوثة، والصياغة الفنية العاطفية التي اعتمدت على المتناقضات في الأشكال الرياضية، وعلى برودة اللون ومعانيه، ودرجاته الموجية المساعدة لتكوين لوحات جمالية تنشد للحياة مفرداتها النابضة بالبقاء، وبالصفاء وبنقاء الأحلام وتنقيتها من أي سريالية مصدرها مفاهيم الحياة القديمة أو بالأحرى ما هو مخزن في ذاكرتنا الطفولية من تعاليم اجتماعية تمحو من أنفسنا ألوان الفرح والسعادة، وتؤثر على أساليبنا في فهم منحى الجمال.
غموض تشكيلي ينبعث من الأشكال الوهمية التي تداعب بها مخيلة المتلقي ليتساءل من تكون هذه الشخوص الحجرية التي تعيش في لوحاتها ،وفي نفس كل منا هناك من يشبه هذه الشخوص،ولكن ضمن فضاءات حسية تخيلية نفتش فيها عن ما نخفيه خوفاً من أنفسنا، فهل تحاول «منى نحلة» إظهار الحقيقة من خلال اللون الضوئي، وإخفاء الكثير من الوجوه في ذاكرتها؟.. أم أنها تؤلف موسيقى لونية تنشدها بصرياً على لوحة بانورامية ذات مشهد درامي، تحقق من خلاله لغة تحاكي بها حواس المتلقي، وتتركها ضمن لون أوبرالي مضىء، يؤثر بصرياً على الرؤية الجمالية، فننسى كل الألوان المجاورة التي تحاور العتمة والظل، ونكتفي بالأبيض لنشعر بالقيم الرومانسية التي تخاطب بها العاطفة ومشاعرها الباحثة عن الآخر أكثر فأكثر.
حضور أنثوي لوني البنية، ودينامية الضوء. وضعته في متناول المخيلة وضمن أطر حالمة لا تخلو من سريالية المعنى، لأنها تفارق الواقع وتغيب عن لوحاتها الألوان الأكثر إشراقاً أو بالأحرى الحرارة الحياتية التي نفتها حيث اللون الأصفر الملامس للأسود، والذي يؤدي إلى توازنات معنوية ذات فلسفة ذاتية تبتعد عن الموضوعية، وتثير هواجس الأنثى من الزمان والمكان، ومن فضاءاتها الحالمة المؤدية إلى الاصطدام بالواقع، وبقساوته التي هربت منها «منى نحلة» نحو الأبيض واتساعاته الإدراكية والتخيلية. لتدفع الجمود عن لوحاتها التي تثير من خلالها صعوبة الحلم عند الأنثى في زمن الواقع المؤثر على رموزها التي ترتبط بصنفان أساسيان هما الأبيض والأسود والرجل والمرأة.
Doha El Mol