تعبيرات فنية تستقطب الضوء

ضحى بدالرؤوف المل

تضاعف «زينة قمر الدين بدران» من المؤثرات الضوئية المختلفة، والغير مألوفة في اللوحة الواحدة. لتجذب الحواس نحو تشكيلاتها الباردة والحارة الناتجة عن تصويرات تكنيكية طباعية منقوشة بتقنية كلاسيكية، لتحاكي اللون والشكل والضوء بفن معاصر ذي حساسية فنية، تجعل من الأسلوب الشفاف لغة تحقق من خلالها تعبيرات فنية مصبوغة بتراكيب تستقطب الضوء، وتضيف أبعاداً مرئية فراغية ذات إنشاءات تكوينية متناغمة، ومنسجمة مع الفضاءات التخيّلية التي تجعل منها «زينة قمر الدين بدران» لوحات ذات مسارات وإيقاعات بصرية لها حركتها الثلاثية الأبعاد التي تخضعها فيزيائياً للون، والحركة، والضوء والفراغ. لتتشكل ضمن التصويرات التي تمدّها بتقنيات ذات تأثيرات ارتبطت بالأسلوب، والمضمون وموضوعية النواحي الجمالية المدروسة بتوازن يؤدي إلى خلق لوحة تشكيلية ذات وحدات مستقلة، ومجموعة بروابط متشابكة مع خامات مضافة، وكأنها جزئيات تتضافر وتتنافر ضمن موسيقى اللون ودرجاته الموجية المنخفضة والمرتفعة، والمتصلة بتضاد فراغي يأخذ صفة تشكيلات ذاتية ضعيفة وقوية متأثر بحرارة كل لون وبرودته.

تتجانس الألوان بصرياً، فتتوفر فيها مزايا التفتيح والتعتيم المصقولة ضوئياً، بخطوط نسيجية ذات مقومات مرئية تتفاعل مع المادة التشكيلية التي تتمبّز بشفافية ضوئية ليّنة، ومتوافقة مع صلابة الأسلوب المونوتيبي، وخواصه التكوينية المنصهرة مع بعضها، مما يضفي عمقاً نسيجياً تتنوّع درجاته الجمالية المؤثرة، والتي تزيد من قيمة الفن الطباعي لتمنحه صفة الحبك اللوني الشديد التماسك، المتناغم مع الفكرة والمضمون، والتحولات الضوئية بين لون ولون، وبديناميكية تتضمن إيحاءات ترتسم بتقنية بصرية، ممزوجة بألوان وخامات تتألف منها أغلب اللوحات في معرض «زينة قمر الدين بدران» لأن الأحاسيس الفنية نابعة من الأبعاد الغارقة بتجريد غامض هي تصنيفات تنطوي على عدة أساليب مقترنة باللون والخط والتصوير الطباعي أو مونوتيب (monotype) اللوحة الفنية.

تتناسب الألوان بمنطقية رؤيوية منسجمة بصرياً مع الحركة الداخلية في كل لوحة تدفع المتلقي إلى تأملها. لأن التعدد في الأساليب الفنية التشكيلية تظهر بين التداخلات المرتبطة بالقياسات والأبعاد، وبهندسة اللوحة والبناء الواعي المنقوش بقسوة بين الجزئيات اللونية التي تغطي الفراغات بشفافية تبرز منها الأشكال بتصويرات ذات غموض محبب، يعتمد على المزج الإدراكي الدقيق فنياً، فالأطر اللونية المحدودة، مفتوحة بصرياً نحو فضاءات الضوء المتحرر من انعكاسات الألوان المعتمة درامياً، مما يعكس الملامح على سطوح توحي بتعبيرات تجريدية ذات تنظيمات قوامها هندسي تشكيلي، وإبداعي تكوينياً، فالعشوائية لا تمحو التركيبات الصياغية التي منحتها «زينة قمر الدين بدران» صفة تكنيكية كلاسيكية تتآخى مع الفن المعاصر، برغم التوافقات بين طبقات اللوحة الواحدة، والموازنات اللونية بين الكتل والفراغات الرقيقة، وكأن الفن عند زينه بدران يلامس النسيج القماشي أو تصميمات زخرفية ذات بهجة لونية محبوكة بإتقان.

أنماط فنية متعددة تتبلور كأشكال تتحرر وتنكمش، تضيق وتتسع بحيث نشعر بتآلف العناصر فيما بينها، مما يضفي حركة وحيوية على رسوماتها المسكوبة على أقمشة تختلف عليها الألوان، وتتغاير متدرجة بأسلوبها بين الخشونه والنعومة، والملمس المتناقض بين الزوايا والمعطيات الكلاسيكية التي عالجتها زينه بدران بتموجات انفعالية تعج بمزيج ذي خطوط ترتكز على المسح الضوئي الذي يحتضن التفاصيل الفنية المحتفظة في أعماقها اللونية بحوارات عميقة، مجردة من التحاور والتجاور، وبعيدة عن الغموض المنعكس على الحس اللاواعي المتشابك في لوحات «زينة بدران»، وكأن اللوحة عبارة عن نسيج قماشي يوحي بتناقضات الحياة مع ومضة تحليلية تجعلنا نلامس فلسفة اللوحة. لنستكشف معنى كل لون انسجم بهارمونية مع الخطوط والخامات التركيبية ذات البصمات التشكيلية المختلفة من رسم ونقش وتصوير وطباعة، لأن الظل في اختلافاته يوحي بحركة مستقيمة إنعكاسية تتناقض موسيقاها، لتبرز إيقاعاتها البصرية متوازنه حسياً.

اختلطت الألوان الباردة مع الخامات الخارجية ذات المدلول الحسي جمالياً، مما يعكس ازدواجية الرؤية الفنية التي تنبثق عنها مساحات تخيّلية تختصر من خلالها «زينة بدران» المضامين الإيحائية التي تضعها بعمق بين الخطوط المحاطة بتوازنات هندسية، تتخذ من الحركة الداخلية توظيفات حوارية متناسقة أسلوبياً مع الأبيض والأزرق أو البني المركب، تاركة للفواصل الفنية ميزة شاعرية ذات محاكاة مرئية، متحررة من الأشكال الهندسية المخفية، بغموض متجانس مع الفراغ والكتلة، والفضاء التخيلي المفتوح ضمن مسارات ضوئية .مما يجعل من اللوحة قطعة مسبوكة بتلاحم لوني مثير بصرياً. إذ تقدم «زينة بدران» في معرضها فلسفة تشكيلية كلاسيكية، بأسلوب معاصر يترك للمخيّلة دورها في استنباط الأساليب المتنوعة، المستخدمة من لون وطباعة وتصوير، ورسم وتركيب، لتحقق مقارنات بصرية تعتمد على التضاد الهارموني خصوصاً في لوحات جمعت فيها الأبيض والأسود، والاختلافات الصياغية، وكأنها خارطة تكوينية ذات جمالية وجودية تتداخل فيها العناصر المختلفة، ضمن لوحة واحدة غنية بالمعنى والمضمون. كما أن الحيوية في الأسلوب تظهر بسيمترية تتناسب فيها القياسات وتتباين عندها الألوان المتحررة ذاتيا من النسب المحدودة. لتتخذ من العشوائبة تنظيمات متوازنه مع الكتل الإيحائية، والمجردة من أي صفة محدودة، لأنها توحي بأشكال جمالية متنوعة تعبيرية، تجريدية وبأسلوب مونوتيبي ..

Doha El Mol