جمالية فنية نقدية تهدف إلى خلق مفهوم استشراقي تكنيكي جديد

ضحى عبدالرؤوف المل

يؤلف مفهوم الاستشراق انطلاقة جديدة تضع المفاهيم الشرقية في قوالب جاهزة ، وربما مقولبة من حيث النزعة الغربية التي دخلت في صراعات مع عولمة تقنية تركت " طارق صادومة" يتقن فنياً إظهار جمالية شرقية مختلفة تعتمد على محاولات فنية تهدف إلى تعديل المعالم الفيزيولوجية على الإنسان المعولم حديثاً، ليتم تصحيح الملامح بتفخيم الحركة وجعلها ظاهرة على تعابير الوجه في أعمال فنية تعيدنا إلى الماضي حيث التماثيل الفرعونية ،ولكن بلغة لا تخلو من تجميل مضاعف تتناقض فيه الجزئيات العضلية البارزة على الجسد والوجه، دون أن يتجاهل حقيقة الانعكاس الداخلي على الإنسان ، وتكويناته النفسية بشكل متناظر هيمن على الشكل وتقسيماته الذاتية، الواسعة الأبعاد لتوضيح الفروقات الأساسية بين الحقيقة والخيال، وبين الكذب والصدق، وبين المصطنع والعفوي، والطبيعي في الخلق . وصولاً إلى التراكيب الإنسانية البارزة بقياسات مختلفة، والتي تسبب دهشة تترك المتلقي في حيرة من لغة " طارق صادومة" الاستشراقية الجديدة المصطنعة فنياً من حيث اختيار الوجوه الشرقية المشهورة فنياً نوعاً ما، وغيرها من الوجوه التي مزجها بخيال وسريالية غريبة تهدف إلى وضع الرائي في مقارنات لا تنتهي تجعله يرى داخل الإنسان قبل خارجه ،حيث أنه يستكشف باطن كل شخصية تمّ تكوينها بتشكيل يجمع بين النحت والتشكيل، والتكوين لنشوء الإنسان وطبيعة مادته الصلصالية القابلة لإعادة تشكيلها في كل مرة بصيغة جديدة وأتوماتيكية زمنياً، فهل يحاول " طارق صادومة " إثارة تساؤلات عن ماهية الإنسان،وما هي مادة تشكيله الأولى؟ أو أنه يبث لغة نقدية استشراقية ناقدة للوجوه الشرقية التي تعرضت لمبضع جراح التجميل ، فنشأ عنها توارث في الأحجام كالصدر العارم ، والشفاه المكتنزة ، والخدود العالية،وما إلى ذلك من الصفات المشابهة لبعضها البعض، وكأن أتوماتيكية الاستشراق هي نسخة تم تحديثها في زمن عولمة باتت فيها صناعة الإنسان أشبه بتماثيل نراها تمَّ تكوينها بأنامل فنية اقتربت من حدود التكوين، لكنها لا تستطيع منح الإنسان صورة داخلية تتراىء منها الروح الطيبة، فهل الابتسامة المميزة على تمثال فنان الخليج " عبدالله بالخير" تعكس مدى أحزانه الداخلية ؟ أم أنها حقيقية تماماً نابعة من عمق الروح الإنسانية التي يصعب تواجدها في تماثيل مكونة من مادة أرضية لا روح فيها ، إنما تعكس جمالية فنية نقدية تهدف إلى خلق مفهوم استشراقي تكنيكي جديد؟

توازنات تتناقض مع بعضها البعض جمالياً، لتعطي صورة واضحة عن إنسان شرقي مختلف من حيث الاهتمام بملامحه الجسدية القابلة لتطورات يبحث عنها من خلال آلة جراحية تحافظ على شكله الخارجي من التعرض لعوامل الزمن، من شيخوخة تتركه في ترهلات يمكن التخلص منها، ليصبح كتمثال جامد بعد فترة يخلّد وجوده، ليبقى في ذاكرة الزمن الفرعونية وفق مقاييس نراها متوارثة.إلا أنها تمتلك دينامية مميزة فرضها " طارق صادومة" لتصبح فنية جمالية بامتياز ،وكأنه يضعنا أمام نحت تكويني يهدف إلى رسالة تدعو إلى تأمل سر نشوء الإنسان، ومدى التغيرات التي تطرأ على الملامح، والفرق بين معالم الإنسان الغربي،ومعالم الإنسان الشرقي من حيث الحركة العضلية البارزة في الوجه والجسد، والتي منحها صفة متناقضة من حيث الواقع والسريالية، والخيال والحقيقة ،فهل ستتكيف أعمال " طارق صادومة" مع شرقنا الذي يمتلك مفتاح الجمال المتوارث منذ عهد كليوباترا؟.

فروقات فراغية متناسقة في أبعادها من حيث تكوين التمثال فنيا، فالأبعاد الثلاثية لها ميزة في أعماله من حيث بروز الصفات الأساسية لكل تمثال منحه لمسة قادرة على جعل المتلقي يرى العمق الفني لتكوين أراد له الرؤية الداخلية قبل الخارجية،وكأنه يضع مادته تحت السرعة الضوئية أو آلة ماموغرافية تجعلنا نرى جمالية الداخل قبل الخارج ، كما في تمثال " عبدالله بالخير"، فهو يحاول ترك العين تلتقط تفاصيل يصعب رؤيتها بدون اللجوء إلى هذا الأسلوب الفني التفخيمي الذي يهدف إلى ترك هوية خاصة استشراقية تعيد مفهوم الجمال في التماثيل الفرعونية، ومدى جماليتها والفرق بينها وبين عصر اختلفت فيه الروحية الجمالية التي حافظ عليها الفراعنة واستهتر بها الإنسان الحديث.

فن صناعي جمالي متلاحم فنياً، لكنه يمتلك المفاهيم النحتية من حيث النسبة الذهبية ،والتفاصيل الأخرى من أبعاد، وفراغ ، ومساحة، وظل وضوء قدمه " طارق صادومة" بأسلوب استشراقي جديد يدعو من خلاله إلى التأمل بعمق في رحلة الإنسان منذ النشوء الأول وحتى اليوم، وبتقاربات تاريخية بين الأمس واليوم ،وتمثال " نفرتيتي" ،و" ملك الناصر" ، وكأن الفن التشكيلي أو النحتي يقترب من فن مقارن تم تحديثه لخلق تراث شرقي جديد مختلف من حيث الجوهر والمضمون، ومن حيث قيمة الإنسان المرتبطة بما ينتجه ويفعله، وما هو قادر عليه كما في تماثيله السريالية التي لا تعتمد على قواعد النحت. إلا أنها تجذب العين نحوها لتستمتع الحواس بتفاصيل الإنسان العادي المشوه من الخارج، ولكنه جميل من الداخل لأن " طارق صادومة" يعتمد على مخاطبة الفكر قبل البصر،ليترك المتلقي في حالة من عصف ذهني تجعله يدرك ماهية الإنسان والفرق بين تماثيل اليوم، وتماثيل الأمس والهشاشة الجمالية عند الإنسان الشرقي الباحث عن الجمال والمتناسي للفكر الإنساني ولنشوء خلقه الأول.

ملاحظة: يذكر أن الفنان طارق صادومة استطاع تحويل متجر في هولندا إلى جامع تحيطه الواجهات الزجاجية ليستطع من في الخارج رؤية المصلين كما أنه استطاع تغيير شعار المتجر إلى اسم الجلالة بطريقة فنية مميزة.

Douha El Mol