الرؤى الهندسية المجموعة ضمن إيقاعات بصرية
ضحى عبدالرؤوف المل
يفتح الفنان " جورج مطر" George Matar فضاءات اللوحة التشكيلية بالحركة الدائرية النابعة من مفهوم الرقصة المولوية، والدوران الكوني المرتبط بألوان الطاقة التي تنبعث من النفس الإنسانية في رحلتها من النقطة الى النقطة أو كمحور كوني نحن فيه ضمن طواف جمالي مستمر، وبديمومة تجعلنا نتكرر وفق ايقاعات ذات كينونة روحية، معتمداً بذلك على التكوين الهندسي المنفصل والمتصل، والمرتبط أيضا بتقنية الألوان الحارة والباردة المؤثرة بصرياً على الحركة، وشدة تأثر المتلقي بها حيث يعالج " جورج مطر" الرؤى الهندسية المجموعة ضمن إيقاعات بصرية تلامس الوجدان، وتقترب من التماهي الحركي الشفاف تخيلياً من حيث البعد الافتراضي بين شكل وشكل، وبين لون ولون وقوة الإدراك الداخلي لهذه الحركة المولوية المترجمة تشكيلياً في لوحات تنوعت ألوانها ، بشكل تدريجي من البارد إلى الحار وبالعكس إلا أن اللون الأحمر والأسود المتوهج في لوحة واحدة توحي بنارية تتفوق على الترابية في لوحات أخرى.
تتجلى الأنا المتوحدة بقوة في لوحاته التأملية ذات الصفاء الداخلي ،والخطوط الإيهامية المدموجة مع الألوان بتقنيات هندسية تجمع ما بين الظاهر والباطن، بأسلوب رشيق محسوس، وغير ملموس ينبثق من فكرة الجوهر أو النقطة الأساس لكل شىء في الوجود ، بحيث يشعر الرائي بتوازن في توزيع النقاط داخل اللوحة بسيمترية تتشابة فيها الدوائر اللولبية إيحائياً، والدوائر المستديرة حركياً. إلا أن اللون يخفف من حدة الانعكاس البصري، ليشعر المتلقي براحة نفسية عند تأمل لوحاته المولوية الباحثة عن الوجود، والأنا من خلال الجماعة، وبلغة فنية تشكيلية اختزلت أبعاد هذه الحركة الفلسفية وثنائية الوجود والعدم، والجوهر والأنا، والذات والآخر، والجزء والكل ،وقدرة التنظيم الكوني المقترن بالجمال، وخصوصية الانتاج الذاتي أو التدوير في تكرار الإيقاع، والطواف البصري الذي يتجاوز من خلاله أبعاد الواقعية والتعبيرية إلى الإيحاء الفلسفي في الفن التشكيلي،واقتران هذا بالنقاط الهندسية ،وكأنه يدمج مفهوم كل شىء في لا شىء وبالعكس ،متأثراً بذلك بالماورائيات الحسية المصقولة فنياً .
ما بين الفرد والجماعة والأشكال اللونية المختلفة لعب الضوء عنصراً مهما في التوازن الدائري بين الفراغات، وجماليات الخطوط المائلة والعامودية والدائرية النابعة من البنى المتداخلة إيحائياً، والمنفصلة واقعياً. مما يوحي بجدلية العلاقة بين الشكل واللون، والنقطة والخط، وارتباط هذا بالجوهر الفني وأحوال الدائرة، وما تعنيه من حس نفسي يكشف عن وجد جمالي، وتجلي روحي ينبعث من النظام الهندسي الذي تم توزيع النقاط الأساسية من خلاله في كل لوحة لعبت فيه النقطة الدور الأساسي، والخط المتأثر بالصعود والهبوط والطاقة العليا والسفلى الدور الجمالي الفعال في إثارة الذهن، واستفزازه ليتأمل بعمق الرقصة المولوية .
تتلون الحركة بتموجات بصرية مصدرها نسبة كل لون وطول الموجة اللونية وقصرها ، تبعاً للمفهوم الرياضي بعيد وقريب ، تحت وفوق، عتمة وضوء، فالتظليل النسبي بين الأشكال يكشف عن مستويات بنائية تختلف في الحركة الظاهرة ، وعند الخط المائل والجامع لليد اليمنى واليسرى عند نقطتين تحت وفوق. ليمنح الأبعاد جمالية ضوئية تتوافق، وتتماثل، وتتناظر، وتتواتر من خلالها الأشكال، والأحجام، والألوان، والفراغات، والخطوط الاستثنائية في حركتها البصرية المحفوفة بهندسة بنائية تنتظم من خلالها الأشكال وفكرة التحرر والانطلاق من كل شىء إلى لا شىء .
يطلق " جورج مطر" صرخة تشكيلية تدعو إلى التحرر والانعتاق من العبودية أو الخلاص النفسي من كل الشوائب ، والأدران الحياتية من خلال الانتروبولوجيا الفنية التشكيلية ،والأبعاد الثلاثية التكاملية، لفكرة النقاط والثلاثية الكونية ( الله، الإنسان، الكون ) التي تتجدد في الطواف أو الدوران وانبعاث الألوان الداخلية، والطاقة المؤثرة على الخير والشر والسلام. لأن الألوان في لوحاته تتناقض في انسجام انعكاسي يبعث على الحيرة والتساؤل، وكأنه يؤكد على التفاني الإنساني في صلاح الحضارة الإنسانية التي تهدف إلى الله الواحد، والإنسان الواحد، والكون، واضعاً فكرة الإنسانية في نظام كوني مصدره الجوهر. مما منح لوحاته تنوعات مختلفة نلمسها في كل لوحة لعبت فيه النظم الهندسية دوراً سيميائياً توّجه برقصة مولوية .
يكسر جورج من حين لآخر جمود اللون أو بروده بالحركة وانعكاسات الضوء ، والاسترسال الانفعالي باللون الأحمر والأسود ، والألوان الترابية الملتزمة بالرمز والإيحاء، لصفاء الروح وقوتها. بل وقدرتها على التناص الخارجي، وبث فكرة الانعتاق والتحرر من كل شىء لنصل إلى لا شىء حيث التوحد الكامل أو حيث الحضارة الإنسانية المنسجمة مع الكون ونظمه وجماليته ، وحيث الفن التشكيلي المحمل بمفاهيم عامة من نحت وتصوير،وفلسفة وجمال نسجها بالألوان على القماش، وبمفهوم نحتي له خطوطه وأبعاده، ولكن بأسلوب بسيط في الظاهر، لكنه يحتاج لدقة في توزيع النقاط والخطوط ، ومنح الزوايا إسقاطات ضوئية مرنة ذات صياغات بصرية، تمثلت بالراقص الصوفي بمختلف تجلياته التكوينية والحسية، مما جعلني أقول مع القائل " جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ، تمشي إليه على ساق بلا قدم." فهل ينتقل الفنان جورج مطر فيما بعد من الفن الأيقوني إلى الصفاء البصري المفتوح؟
تتسامى الأشكال بصرياً في لوحات الفنان “جورج مطر ضمن سياق صوفي انعكاسي مرئيا بمعنى يفارق الواقع بواقع آخر يسمو مع إيقاعات الحركة والألوان التي تنبثق من الفن الأيقوني المقدس إلى الصفاء البصري المفتوح الذي ينتمي لرؤية صوفية تمجد الجمال فنيا، لتستجيب النفس لاحتياجات الروح التأملية وحيوية الكشف البصري من خلال الأبعاد والمعاني وآلية حرف النون أو التكور والإنحناء، والامتداد الحركي اللا متناهي البارز في الكثير من الأشكال التي تحتل رموزها الصوفية فهما وقدرة على ترسيخ الذاكرة البصرية بشكل أوسع في لوحات فتحها لتكون في رقصة مولوية أو رقصات لحرف النون، ورقة تجسيده للمعنى واضعاً مفهومه الصوفي بين رمزين حرف النون وراقص المولوية ،وفي هذا نوع من الاختلاف التأملي لإظهار الارتباط أو الانسجام بين شكلين، وقضية الاتجاه الحركي المفتوح بين النون أو الخط المنحني،كمركب يقترن بشكل تنورة راقص المولوية والكف عند الدعاء من خلال استخدام الخط وارتباطه بالفكر الباطني التأملي،وامتداده في استكشاف الحقيقة من استعارات فنية تشكيلية تمثل الحاجة الإنسانية إلى العودة الذاتية وتطهير الحواس عبرالتمسك بالحدس، ليتم التفريق بين المقدس والديني والانفتاح نحو الله بشكل كلي لا جزئي .
تمسك الفنان" جورج مطر" بفلسفة حرف النون في أعماله، واستطاع منح الألوان حركة الضوء والارتفاع بها للتجلي أو لفتح أبواب التأملات وفق تناقضات الأعلى والأسفل، والضوء العلوي والسفلي وقوة السمو بالنفس نحو اللون الموحّد في النفس وقوتها وضعفها وتذبذبها. إذ يجمع الألوان أحياناً في شكل محدودب وهو النون ورمزيته وقوته ومعناه ضمن الألوان في الأديان، ليفرقها في شكل آخر، فتمتد عبر فضاءات وأبعاد لتنطلق من الجزء إلى الكل عبر رحلة الحركة المفتوحة لراقص المولوية، مما يخلق إيجابية بصرية مع الأشكال الملتوية وليونتها الصغيرة والكبيرة منها حيث تتداخل الحروف كما تتداخل الألوان في مساحات لا تضيق، وإنما تبحر بالرائي نحو اللانهاية. فهل يحاول الفنان" جورج مطر" الإبحار في فلك حرف النون بصوفية وخشوع فني إلى حب الله؟
تشكّل الحروف والرقصات محاكاة مؤثرة بصرياً، كما تخرج من تقاليد ومعتقدات الشكل إلى رحاب النون المفتوحة على المدى اللوني أو الأثيري الذي يتماهى مع الكينونة واكتمال الحرف المُبحر في تجليات الوجود عبر الضوء والتماعات الفكر الصوفي وخباياه النفسية المتجلية في عدة ألوان استخدمها الفنان "جورج مطر" كمرايا تعكس ما في النفس من الداخل إلى الخارج وبالعكس، وبعمق هو أبعد من فن تشكيلي بالمعنى الجمالي ، وأيضا بتناص الشكل بين المفتوح والمتراقص أو الملتوي، كأنه ينفي العدمية ويؤكد على قوة الوجود وأشكال الحياة المختلفة المتناغمة مع حب الله .
تتشح الألوان بالنور أو الضوء والقدرة على التعتيم ببعض الألوان هو الانتقال من حال إلى حال أثناء التأملات المفتوحة على عدة تأويلات،هي التجرد من حقائق الوجود الجزئي إلى الكلي المتناهي والمُغمس بالتلاشي الذاتي مع كونية النفس التي يغمسها" جورج مطر" بريشة وألوان ويمنحها رؤية بصرية أريجها زفرات لا شعورية راقصة مع ريشة تبحر في ملكوت قدسي،وانغماس متناغم مع التفاصيل الجمالية وقداستها ذات الدفق الضوئي أو النوراني المرتبط بهالات الألوان وطبقاتها المتوهجة، والتي تمثل الوعي البصري والذهني أثناء تأملات اللون والانطلاق معه حيث ترتسم حروف النون كمراكب تبحر في الأفق نحو المراتب الجمالية كافة. فهل تمثل لوحاته التراتيل القدسية ومقامات التمجيد الإلهي الصوفي للانطلاق نحو العرفانية؟
Doha El Mol