الواقعية الإستشراقية في أعمال الفنان آدم ستيكا
ضحى عبدالرؤوف المل
ترك الفنان” ( Adam Styka )آدم ستيكا” البولندي والمستشرق منزل العائلة لاستكشاف العالم الشرقي ، واستطاع تطوير أسلوبه بعد عدة رحلات إلى شمال أفريقيا وتونس والجزائر، فبدأ " يرسم مناظر طبيعية لهذه المناطق وصوراً للعرب والبربر، ومشاهد من الطبيعة الشرقية وهو الملقب" رسام الشمس" وبقي في المغرب ومصر فترة طويلة إلى أن استقر فيما بعد في بنسلفانيا، ليرسم رعاة البقر قبل أن يصبح في نهاية حياته أكثر اهتماماً بالموضوعات الدينية . إلا أن ثمرة انبهاره بالشرق كانت ملموسة في العديد من لوحاته، إن في المغرب أو الجزائر أو مصر، فالفضول والغرابة في لوحاته ظاهرة في المشاهد المفتوحة على الحميمية أو الرومانسية الشرقية ، وبأسلوب حساس فيه الكثير من الحركة المتلاشية أو الخطوط المدمجة التي تتطلب نوعا من الغموض في التفاصيل الواقعية إلا أنها تُظهر جمال الأمكنة مع اللباس والتناسق البصري بينهما إذ لم يميل ستيكا إلى استخدام الألوان القوية كما فعل سواه. بل ترك في لوحاته هدوء الصحراء أو الألوان الصحراوية القادرة على ترك الانطباعات الساحرة في النفس خاصة المرأة في بلاد الشرق، وجماليات جلساتها المتخيلة في الكثير منها رغم الواقعية الاستشراقية في أعمال الفنان آدم ستيكا. فهل استطاع منح الخيال هوية واقعية هي لغزالتحم بجماليات الحلم المثالي الاستشراقي إن صح القول ؟ أم أن العدل الفني الاستشراقي يصعب تحقيقه في الكثير من أعمال فناني الاستشراق ؟
تثير المرأة العربية والرجل أيضاً ريشة الفنان "آدم ستيكا " وربما بانبهار في المممارسات التي يمنحها نوعا من الإعجاب بشخصيات عربية هي محض خيال مربك غالباً. إلا أنه في فن البورتريه كان دقيقاً ، واستطاع أن يعطي إحساسه الفني جمالية ارتبطت بالتقنية التي استخدمها من خلال الألوان الباردة، لتبدو الشخصيات قريبة من الواقع الحقيقي الذي رآه ، وإن ضمن تغيرات التفاصيل في الوجه خاصة وحركة عضلات الوجه لإعطاء الحياة الواقعية نفحة تعبيرية، لتبدو التجاعيد كرمال الصحراء أو لتبدو الضحكات حقيقية للغاية من خلال مزج الألوان الباردة ببعضها بتراكيب حارة أحياناً، لتنصهر مع بعضها وتبرز الخطوط وفق النسيج الفني الذي أتقنه أيضا في لوحات رعاة البقر، مما يجعل عامل الجذب البصري أقوى. فهل الخطوط الرئيسية في لوحاته هي لحركة تعبيرات الوجه وأشكال اللباس بين لوحاته الاستشراقية ولوحات رعاة البقر في بنسلفانيا ؟
تدعونا لوحات " آدم ستيكا " إلى تآملات ما يحيط شخوصه من تفاصيل لأمكنة لها واقعها السحري بصرياً، لما تحمله من هدوء أو مساحات مفتوحة لها فراغاتها الحسية القادرة على تجسيد المحيط الشرقي بعيداً عن البيوت أو الأمكنه المغلقة كما فعل سواه . بل غامر في رسم الحياة بمتخيل ينتمي إلى الواقع الذي رسمه بحيوات مختلفة بين مكان وآخر، كالمغرب والجزائر ومصر، ولون البشرة شديد السمرة. ليمنح الإنسان في بلاد الشرق صفة خاصة، بما استهواه هو أكثر من الحقيقة القائمة في بلاد الشرق بشكل كامل. فهل يمكن الاعتماد على فن الاستشراق لمعرفة الشرق معرفة كاملة ؟ أم أن ممنوعات البلاد الغربية كانت مسموحة آنذاك في بلاد الشرق ؟
يبدو أن جاذبية الشرق دفعت الفنان "آدم ستيكا" لاستكشاف المكان غير المعروف غربياً، وقوة تأثيره على تحرر المرأة الغربية لاحقاً، فمزجت ريشته الواقع بالخيال، وقدمته بأسلوب رومانسي في غالبيته مع الاحتفاظ بالتعبيرات الحركية لتوضيح الرؤية الإستشراقية، وفروقات الإنسان الشرقي التي يتميز بها عن الغربي. فهل جماليات الاستشراق الفني لها تأثيرها على الفن كما في أعمال الفنان آدم ستيكا؟
Doha El Mol