لازوردية ألوان مائية داكنة تتراءى منها غربة ذاتية عميقة المخزون
ضحى عبدالرؤوف المل
لازوردية ألوان مائية داكنة تتراءى منها غربة ذاتية عميقة المخزون تتخذ من المثلث رمزاً خصباً لحركة ضوئية تضبط الانفعالات والأحاسيس في أغلب لوحات الفنان " هاني مظهر" المائية والزيتية ليحلل العقل الرموز التي لم تخطئها ذاكرته الميثولوجية، مع تكرار يحمل فلسفة الروح والجسد ، لوجوه تبرز ملامح الزمن بطرق مختلفة، مما يجعل المتلقي يطرح تساؤلات عن ما أهمية الوجوه والمثلث في أعمال هاني مظهر؟.
حركة بطيئة تحملها ألوانه الداكنة في مجمل لوحات تتميز بتقنية مائية يتفرد بها، وزيتيات يصهرها بغوامق ألوان ظلالها مكثفة، ليحقق العمق الفلسفي المخفي بين خطوط تشعر أنها لزجة وتتحرك بصعوية رغم خفة ريشة تعانق الأشكال الهندسية ، وكأنها الأطر الأساسية للوحة لا يمحو عنها أحزانه أو غربته. بل وكأنه يأخذ من المائيات الزفير ،ومن الزيتيات الشهيق ومن الميكسميديا قدرة تعبيرية لم تجعله ينسى رمزية جلجامش ،وما تحمله هذه الأسطورة من جذور عراقية يتمسك بها عاكساً المآسى في وجوه تحملها ذاكرته الفنية العراقية بشكل خاص.
ما من لوحة يغيب عنها اللون الأزرق الداكن، ، حتى كأنه يمزج كل العناصر الفنية مع هذا اللون، ليخلق أنواعاً مختلفة لأنماط وجوه، لا وضوح فيها. بل هي تتماهى وتندمج مع الضوء والأشكال الهندسية مستخدماً فيها قواعد المنظور الهندسي ، كهوية اختلطت فيها التكعبية الواقعية والتجريدية مضافاً إليها تفاصيل مفردات تشكيلية تفرض نفسها على المتلقي، فالأبعاد الثلاثية مع خلفية متحركة تجعلك تدرك عمق اللون ،والحزن المتواري خلف وجوه كأقنعة الحياة الملونة ،وانعكاسات ضوئية مؤثرة بصرياً،فتحول الخطوط الفوضوية الشديدة التباين انطباعياً إلى لقطة تعبيرية ترتبط مباشرة مع لون يوقظ الأحاسيس الذهنية، لتبدأ رحلة استكشاف اللوحة والفراغ المرتبط باللون الأبيض ،وكأنه يبني علاقة خاصة بين الخط والنقطة ليخلق جدلية لا ينتهي منها البصر.
تلاحم لوني يكشف من خلاله تماسك الوحدة الإيقاعية،لتجسيد الجذور الحضارية والأشكال ،للارتقاء بالمرموزات الوطنية حسياً ودمجها في أعماله كهوية تمتاز بالوعي الفني، فالتأويل الظاهري يتلائم مع ملامح أماكن ووجوه وضعها داخل مربع أو مثلث أو دائرة ووظفها جماليا، فالمشهد البانورامي يشكل انطلاقة ذهنية تتأثر بها الحواس القادرة على فتح المخيلة ، لفهم اللغة الإيمائية التي تشير في كل أعماله إلى العراق ، وكأن اللوحة هي نص إبداعي تعبيري وظيفته تشكيل مفردة فنية لا قيود فيها، وتعتمد على المدركات البصرية لاستحضار كل ما يتعلق بالوطن والمرأة.
جماليات تختزل كل الثقافات المعرفية التي اكتسبها وفق شمولية تنقلنا معها من العام إلى الخاص، ومن السردي إلى الموضوعي، فالخلفية التجريدية اللامتناهية انسجمت مع الواقعية الحركية وزخرفة تتناقض ألوانها، وكأنها أثواب شعبية تنسجم نغماتها المشحونة بالا نفعالات والعاطفة ومع الحجم والكتلة ، فالولوج إلى فضاءات لوحاته يؤرق المساحة التي تساهم في خلق بؤرة ينحصر عندها البصر، وكأنه يجمع اللون في كف هو اللوحة، ولكن ضمن جهات مدروسة ومتوازية هندسياً رغم عبثية اللون الأزرق المشاكس، فالقوة في ضربات فرشاته تتفاوت احترافياً. لأن العشوائية البصرية التي تولدها الحركة المضادة أو المعاكسة لاتجاه الخطوط تجعلك ترى التفاصيل بوضوح أكثر،وكأنه يمتحن قوة الملاحظة عند المتلقي.
يؤكد " هاني مظهر " على ديناميكية اللون المنكمش غالباً، والخائف من التشظي ،والانفلات بغوغائية تتقاطع مع الخطوط ، وفق مشهديات تتشكل كأسراب ضبابية غامضة تحملها فرشاة سرابية تترجم قوة الذات في تحقيق المحاكاة، والتأرجح بين الحركة والضوء والمساحة والملمس، والطول والعرض، والسطوع المفعم بخصوصية تعكس قيمة المضمون والسرديات المتوازية مع كل نغمة موجية صادرة من لون أحمر أو أزرق ، أو أخضر أو بني مركب ، أو حتى أبيض في تكوين تتألق معه العناصر والوحدات الفنية، مما يزيد من حيوية الشكل واللون، لتبقى الرموز التراثية والدلالية غارقة في الانتماء حسيا لوطن يتماهى " هاني مظهر " بتواز معه.
ألوان مائية، ألوان زيتية، ألوان الأكرليك ، رغم كل هذا التنوع لم يتنازل " هاني مظهر " عن شدة اللون وسماكته، مما يدل على تمسكه بأصالة فنية متخذة من ملحمة جلجامش قيمها الجمالية ، ومن حكايا العراق والشرق رموزاً هندسية، وكأن الأزمنة تتجدد دائما فنياً في كل رؤية تشكيلية قادرة على خلق ميثولوجيات تحقق خلق إبداع فكري وبصري تنطلق من خلاله فرشاة كوريغرافية ذات خصوصية منفردة تثير الحواس، وتملأ الوجدان بالأبعاد القادرة على إبراز الزمان والمكان والفضاء الميتافيزيقي.
يقول الفنان الروسي " كازيمير ماليفتش " بل أن المنطلق في نقل الأشياء إلى فضاء اللوحة يتمثل أساسا في تجاهل حقيقة الأشياء". يمزج " هاني مظهر " الماضي بالحاضر، كما يمزج الزمن بالمكان مع الألوان المتألقة ،وليجعلنا نرتبط أكثر بهويته الوجدانية والانتمائية الصريحة والمشبعة بقواعد ثابتة رغم خلطه لمدارس أدبية تأثر بها ، فهو لم يحاول الخروج عن المدارس الفنية التشكيلية ، لكنه تنوع معها، وازداد حناناً واقتراباً من كل خط اندمج مع ماهيته، محدّثاً المتلقي عن تراث العراق والإرث التاريخي ، فأفقياته المبسوطة مع عامودياته الممتدة ،والمثلثات والمستطيلات والمربعات، والظل ما هي إلا لغات تأخذك في تأمل عميق مريح يعكس سرديات خلفيات تميزت بشفافية ألوان رقيقة غالبا، لنغرق بعدها في لا نهائية لون أزرق غامق تمسك به، وتكرار موسيقي أشبه بسمفونيات طبيعة بكر.
Doha El Mol