النفس الإنسانية وإمكانية إعادتها إلى النهج الصحيح من خلال الفن التشكيلي
ضحى عبدالرؤوف المل
تحتضن لوحات ” أندريه ماسون” (André Masson) الأشكال والألوان، كالحياة التي تثير طمأنينة نفسه بعد قلق نفسي ينكشف عنه شخصية تبحث عن تطور الخطوط ومساراتها عبر الألوان، لمحو فلسفة التدمير الذاتي بالفن التكعيبي، ومفهومه المتشابه مع أنظمة الحياة التي لا تكتمل بشكل أساسي، وإنما عبر منطق إنساني يرمز إلى الفوضى والنظام والهيمنة الفردية على اللوحة التي جعلها "اندريه ماسون" ترجمة لمشاعره الإنسانية التي يعيدها إلى شخصيته بشكل فردي من خلال الرسم أو الفن والجمال ومعناه النفسي الناتج عن إدراك قيمة النفس الإنسانية وجماليتها في الحياة، مبتعداً عن طابع الاستبداد الفني تاركا للريشة حرية الحركة بين الخطوط لتتشكل المعاني النفسية في لوحاته قبل المعاني النسبية أو الجمالية في الألوان وفي التكعيب البعيد عن التعقيد أو آلية الدمج المطلق الشبيه بالحياة ، فالتوازن الفني في لوحاته ينبع من عمق التجارب النفسيه التي خاضها كضبط فلسفي يميل إلى خلق فكرة الانتقال من حياة إلى حياة أخرى، وبالعكس من مرحلة حياتية إلى مرحلة أخرى . بالنظر إلى حقيقة الأشكال في لوحات الفنان "أندريه ماسون " نجد أنها تميل إلى أنظمة تشكيلية يتقيد بها، لتفريغ شحنات النفس السلبية من خلال إيجابية الألوان الدافئة في لوحاته، وبالتالي هو يسعى إلى تطوير الفراغات وشحنها بالظل والضوء. لتحاكي المضمون النفسي الذي يضعه كنقطة تحدد الفهم الجمالي في لوحاته خاصة، وفي الفن التكعيبي عامة. فالنهج المختلف الذي يقدمه تشكيلياً يؤدي إلى خلق قدرة تحليلية نفسية تعيد جوهر الأشكال إلى حقيقتها أو بالأحرى إلى التهيؤات النفسية التي تبرمج النفس وتعيدها إلى الوعي الحياتي الذي يتمسك به "أندريه ماسون" من خلال الريشة والألوان، وأيضا من خلال الخطوط وبراعتها في إيجاد خريطة النفس التواقة إلى الجمال والسلام .
وجهات نظر مختلفة في لوحة تثير اهتمام المتلقي لأنظمة الخطوط فيها، والآليات النفسية التي تقود الفكر إلى تحديد سلوك الريشة ضمن النهج التكعيبي، وتعبيراته ذات الخصوصية أو التعقيد الذي يحتاج إلى شد الخطوط إلى بعضها البعض لإظهار التضاد والتآلف والانسجام والتنافر، لإبراز قيمة الأشكال الناتجة عن الأضاد والمعاني التي يتقاسمها "اندريه ماسون" مع اللوحة نفسياً واجتماعياً وجمالياً وتشكيلياً، وما إلى ذلك. كأن اللوحة هي التعايش النفسي الذي يبحث عنه في ظل واقع الحياة ومآسيها أو حروبها الطاحنة، وصراعاتها المؤثرة على النفس الإنسانية التي تبحث عن الزوايا الحياتية بين الخطوط وكثرتها أو كثافة الألوان وشفافيتها وبين الظل والضوء أو بين الحياة والموت، والتقاطع النفسي الذي يصاب به الإنسان من خلال كثرة التفاصيل والأحداث التي يعيشها بحزن وفرح، ووجع وعافية وبأضاد نفسية من كآبة وقلق وأمل وطمأنينة، وفي كل هذا مرحلة تكوين اللوحة التي يعالج بها أندريه نفسيته أو رؤيته للحياة من خلال لوحة فنية تكعبية تجسد الإنسان ومراحل حياته التكعيبيه أو المتقطعة إلى إيحاءات يمكن جمعها في معنى واحد،وهي النفس الإنسانية وإمكانية إعادتها إلى النهج الصحيح من خلال الفن التشكيلي أو جمالية الألوان، والخطوط التي تفكك أوجاع النفس وتعيدها إلى استقرارها والصفاء المجبولة عليه عبر الإبداع والخلق الفني .
تبرز الكيمياء اللونية المعقدة في أعمال الفنان "أندريه ماسون" كمآساة تميل إلى خلق الأشكال، لإثارة البهجة البصرية وإعادة النفس إلى مسارها الصحيح بعد متاهة الخطوط التي تدخل فيها الريشة، وتترك آثارها على قوة التعبيرات التي يخوضها ماسون بديناميكية هي جزء من لعبة اللوحة التشكيلية التي يجعلها كنوع من ساحة بصرية تشاغب العناصر فيها أركان اللوحة، كأنه يخوض الحروب على قماش اللوحة، ليترجم الآثار النفسية من خلال الفن وقدرته على إبراز الجمال في النفس لفهم العلاقات المتصلة والمنفصلة، وكيفية بناء المواضيع المشتركة من خلال ذلك،لإدراك قيمة التذوق في الحياة من خلال الفن الاجتماعي أو الفن القادر على محو القلق النفسي وإعادة جوهر الإنسان الى طبيعته باعتباره الكائن الاجتماعي أو الإنسان القادر على بناء الذات بعد كل معركة يخوضها في الحياة، لاثبات وجوده ضمن الجماعة. فهل من أثر للفن التكعيبي في لوحات "اندريه ماسون" لتعبير هو إبراز فسحات من الأمل والاستقرار النفسي؟
تمنح لوحات الفنان "اندريه ماسون" المتلقي إمكانيات جديدة في التحليل النفسي ضمن جماليات الخطوط التي تسيطر على الحركة في لوحة هي الملعب البصري الذي يشحنه تعبيريا للكشف عن إمكانيات الريشة القادرة على توزيع النقاط، وجمعها ضمن خطوط هي انعكاسات للمضمون واللاوعي والمشاعر المكبوتة التي تحتوي على رموزمشابهة لأحلام يقظة تعكس قيمة النفس القادرة على الخلق الإبداعي أو البحث عن الصوت الداخلي لكل لون من خلال تدرجاته، وتموجاته ومحاكاته للأشكال الناتجة عن الاندماج مع الكل أي اندماج الفرد مع الجماعة أو التفرد باستقلالية تشبه الأجزاء في لوحاته المغموسة بأوجاع النفس الباحثة عن التنشيط الحياة من خلال الفن التشكيلي أو إعادة بناء الإنسان ضمن مساحات الجمال وعلم الخطوط والألوان.
Doha El Mol