قيمة الخلق الفني في عوالم الخيال المرتبطة بالطبيعة
ضحى عبدالرؤوف المل
يُضيف الفنان "ألبرت بينكهام رايدر" (Albert Pinkham Ryder) على الرؤية الفنية القيمة الحسية للتصورات ذات الدلالات الإيجابية جمالياً. إذ نجد في حركة الألوان القدرة على التمييز لتحديد ما نراه، وما يشعر به وينتقل إلينا من خلال الإيحاءات . فهو يبحث في تصوراته عن الوجود الخالد للحياة مع إظهار خلفيات لونية تضج بالمشاعر الحسية لتوليد التعاطف الروحي مع الموضوع الذي يطرحه من خلال أحاسيس اللون وقوته المتأصلة مع الحركة الضوئية التي يرتكز عليها في تشكيل النقاط الخفية التي ينطلق منها في دعوته إلى فتح أبواب التأملات ، لتترجم ما يجول في الذهن من خواطر دينية أو أسطورية عن رسل وأنبياء وقديسين وما إلى ذلك . فهل حاول "البرت بينكهام رايدر" خلق معادلة فنية قائمة على التصورات أو على تشخيص المفاهيم الروحانية المؤدية إلى الإدراك والشعور وتغذية التصورات بأسلوب تشخيصي طمسه بسماكة ألوان للتعبير عن فن الحياة ؟
تبرز صرامة الريشة في لوحات الفنان "البرت بينكهام رايدر" عند اكتشاف قوة الخيال في تمثيل الواقع معتمداً على الذات التي لا تفتقر إلى الروحانيات المرتبطة بالكتب المقدسة، وكذلك أيضاً في المؤثرات الغريبة الأطوار ،التي نشأ عليها مع عائلته قبل أن ينتقل إلى قرية غرينتش في مدينة نيويورك عام . 1868 لتنبثق كل التفاصيل من حالة الطفولة التي عاشها، وبتعبيرات لونية تعكس قيمة الخلق الفني في عوالم الخيال المرتبطة بالطبيعة والحياة حيث تتكون اللوحة من مجموعة الأفكار، ومن المشاعر ومن ثم الإرادة الصلبة في تصميم الرؤية معتمداً على الفكرة ونورانيتها مهما تضاعفت إيحاءاتها ، فالتفاعل البصري هو ليس ما يرى في العين إنما ما نشعر به من خلال التموجات اللونية المتعاطفة مع الشكل خاصة البحرية منها، وتلك التي تنتمي إلى الكتاب المقدس ،وما بين الخيال والذاكرة والواقع والأسطورة مالت الريشة نحو الحسم في استنباط ألوانها الخاصة والغريبة نوعا ما بل، والمرفوضة آنذاك في عالم اللون. فالتشابك بين الألوان يجذب الإحساس بعمق نحو الداخل، ويقتح آفاق الاستكشاف إلى ما لا نهاية. فهل الضغط الإيقاعي في مؤثرات الألوان هي الخلطة السحرية في لوحات بينكهام؟
تبسيط إلى أقصى الحدود، وتعقيد في التطلعات والمسارات والأشكال المسطحة ظاهرياً ،والتضخيم والتلاشى وحتى إخفاء الموضوعات الرئيسية من خلال ظلال الألوان لخلق الكثير من الشغف أو الأحرى علامات الاستفهام التي تثير الإلهام، وتجعل البصر يبحث بعمق عن المعنى شبه التجريدي هو الذي اهتم بالمشخص والطبيعة التصويرية والأمواج اللونية المتلاطمة مع بعضها بعيداً عن الفضاءات والاتساع والمحدود، بل وكأنه يبحث عن أوكسجين الألوان، لتحيا وفق حياة الإنسان على سطح لوحاته. لهذا تمسك بمزج الألوان من صنعه هو شخصياً كعصير التبغ وغيره. فهل الحركة والسكون في لوحاته هي لغة فنية لرسام يتأبط الكتاب المقدس ويدخل في عاصفة لونية تتشكل من خلالها الأفكار وفق الكثير من الإيماءات والتماوجات التي تترك ألف سؤال في ذهن المتلقي عن الموت والحياة والخلود بشكل خاص؟
شفافية الغموض في لوحات رايدر هي رؤى لمناظر حسية ذات طبيعة صوفية شعرية في مجملها شبيهة بالأحلام لإثارة الحس الداخلي، وتوجيه العين نحو نقطة الارتكاز لونياً وشكلياً، وبما يتناسب مع التشابك الذي يفرضه أو الانسياب مع الحركة التي تميل إلى السكون، كأنه يجذب الأحاسيس إلى الداخل بواسطة الإيقاعات البصرية المتناقضة ما بين الحياة وتناغمها والقصص التي نتجت عنها وباستعارات متعددة. فهل فلسفة رايدر في الرسم تعني أن الطبيعة هي القوة التي تطغى على الإنسان؟ أم أن الحالة المزاجية الناتجة عن العزلة هي التي أنتجت كل هذه الرسومات؟
Doha El Mol