النشاط الذهني المؤثر في الفن التشكيلي وتطلعاته نحو الحياة
ضحى عبدالرؤوف المل
تتسامى الأشكال الفنية في أعمال الفنان جان فرنسوا لاريو ( Jean-François Larrieu )عبر مفارقات بصرية تلعب دوراً مهماً في لغة اللوحة. إذ يتناغم اللون مع الفكرة، مما يعكس حدة الذهن المتوقد من الأشكال والألوان والفكرة الناضجة، الصاخبة بالحياة الملونة بتلوينات إيجابية مصبوغة بفلسفة سريالية مغايرة للبصر. بل ومعاكسة لمفهوم السريالية ،لأنها ترتبط بسريالية اللون والقدرة على إبراز تضاده سخونته وبرودته، وحتى النسب في مزجه، النابعة من مزاجيتة الإشراقية. ليبث الدهشة في كل عناصر اللوحة المؤثرة فعلياً وانطباعياً بالمتأمل لها، وكأنها الطبيعة التي يرنو إليها، والقادرة على خلق الجمال الإنساني المنبعث من قدراته التخيلية المبنية على كنه اللون وجوهر الخط والتغيرات التخيلية التي يطمح إليها الوجدان ويرفضها العقل. إلا أنها محسوسة كعطر الألوان التي تحتفظ بها ذاكرته، وتتجسد بالفراشات والأشكال المختلفة على شجرة. لتبدو كمنمنمات فنية تسر الناظر إليها وتجعله يتساءل عن غرائبية رسوماته التي تنطلق من الواقع نحو الخيال ، لتحقيق المعنى الجمالي وموسيقاه الإيقاعية ذات النغمات البصرية المستوحاة من كل ما يحيط به وخصوصا الفصول كالصيف وعطر الزهور الخاص فيه.
يلقي الفنان "جان فرنسوا " الضوء على المجتمع الذي يعيش فيه مع الحرص على خصوصية العين فيما تراه ، محاول بث انتفاضة بصرية تصحح كل تلوث بصري قد نراه في الأبنية أو الطبيعة التي بدأت تتغير وبلغة فرح مشرقة تنتزع الحزن من النفس، كأنه يهرب عبر الريشة واللون نحو البهجة التي يبحث عنها بين ضوضاء الألوان وكثرة الأشكال، والتعقيد الملفوف ببساطة الرؤية العميقة المهنى والدقيقة بالأسلوب الخاص به، المتفرد بالإحساس المشارك بالنزعة الحسية المثيرة للوحدة التي يخرج منها ببهجة أعياد أو البحث عن العطور أو الأصوات الموسيقية ليحصر كل ذلك في البصر الذي يجمع كل الحواس في سحر الأشياء التي تحيا عبر الإدراك الذهني لمرئيات تنقش وجودها في عمق الحس الفني وبجمال يستخرجه العقل وفق تطلعات تشكيلية تكوينية مزركشة ذات ومضات لونية ومؤثرات ضوئية يغمرها بالخطوط الرفيعه والعريضة، والأشكال الكبيرة والصغيرة وبمقاييس تتقارب وتتباعد وفق النسيج الانطباعي أو التجريدي أو التصويري، ليمزج كل تلك الأساليب،ويتفرد بالأسلوب الخلاق الذي يبني العوالم التخيلية المحاكية للواقع ،وبهندسة مخفية كأبجدية هي جزء من تصوراته. بل كأنها لغة لا اتساق فيها وباختلاف لا يتعارض مع المستويات التشكيلية التي تتنوع وفق الحركة والضوء والظل والمفاهيم المحكومة بالنشاط الذهني المؤثر في الفن التشكيلي وتطلعاته نحو الحياة .
زخرفات تشكيلية ذات جوهر بصري تميل إلى الأحلام والظلال المتراكمة في لوحات تمحو الحيادية بالأحمر والأبيض، رغم اللون الرمادي الذي يصعب اكتشافه أحياناً. لأن العين تسارع في التقاط الألوان النارية مبتعداُ عن الترابية، وعن فصل الشتاء تاركا لحرارة الصيف الوجود الأكبر، وبطفولية تتركز في الريشة التي تنفي الحزن والبؤس والضبابية مستخرجاً أكسير الحياة من لوحة يبحث عن معالمها في الحقيقة، لنبحث معه عن التوازن بين الخيال والحقيقة، وبين اللون واللون نفسه الذي يتنافر ويتضاد ويتناغم، بحركات قوية وخفيفة، كما الأشكال التي تكبر وتصغر وتتكاثر. ليبدو كمؤلف أوبرالي يغزل نوتاته تبعاً للحرية الضوئية التي يتماوج معها في تقاسيم يشدها كالأوتار بدقة الخطوط ، وتباين التفاصيل وظلالية خامة اللون الداكن والفاتح والمركب، وبدرجات ترتفع وتخبو بحيوية تعيد للحياة بهجة الطفولة في زرع الألوان وخلق إبداعي معاصر في تطلعاته الوجودية التي تنطق بالبقاء واستمرارية الحياة.
Doha El MOL