بصمة جمالية تؤسس لرؤية فلسفية تتساءل فنياً واجتماعياً عن التطور الإنساني
ضحى عبدالرؤوف المل
تتنوع الرؤى الفنية من خلال فلسفة حياتية وفكريه مكتسبة تتطور فنياً حين نصقل الوجدان بمهارات تأملية لكل ما تلتقطه الحواس من أحداث أو مناظر طبيعية نشعر بتسلسلها المنطقي في النمو والتطور، فالفنان " غسان غزال " يختزن في ذاكرته ألواناً متعددة من التناقضات الاجتماعية التي منحته القدرة على استعمال تقنية تعددت لغتها الفنية ، كما بدا حوار العناصر في أعماله بشكل عام يرتبط بالتشكيل اللوني، والفن الهادف والبناء الحامل لرسالة اجتماعية تطرح فكرة ثنائية الإنسان والكون ( ذكر وأنثى، الوجود والعدم ) ،وما ينتج عن ذلك من مدلولات نفسية جسدها من خلال الميكسميديا ، والدمج الخلاق مع القدرة على التحكم بالخط، الحجم، اللون، الأبعاد، وحركة محورية تحددها انطلاقة الذاكرة ( قوتها خفوتها وموتها ) في ثلاثية تشبه انطلاقة رصاصة تموت مع موت الآخر، أو تقدم حياة مقابل حياة ..هذا ما يقارنه " غسان غزال " مع الريشة وثنائية الحركة والشكل، واللون والضوء، والكتلة والفراغ، ويضيف فكرة الكولاج والأحجار الملونة والمرصعة ، وما إلى ذلك من وسائل تقنية تضفي على جوهر الفكرة معنى أكبر للجمال.
بصمة جمالية تؤسس لرؤية فلسفية تتساءل فنياً واجتماعياً عن التطور الإنساني ، والفجوات الزمنية المتعلقة بالذاكرة، الذكر والأنثى، الذكورية ، الموت والحياة، الروح والجسد، الثقوب السوداء، الخطيئة ، والأهم الطهارة الفكرية. مما ينم عن حيوية استطاع من خلالها تقديم لوحات تحمل مفاهيمها البصرية انطباعاً، عن أنها كتلة توحدت معها الأضواء المشعة من أحجار توزعت كالنجوم في الفضاء الكوني. فجمالية كل لوحة مهّدت لتذوق الأفكار الاجتماعية من خلال ألوانها وأسلوب تطريزها بالخطوط المتشابكة التي تشبه الخيوط الشبكية العنكبوتية في إيحاء لفضاء الذاكرة الزمنية، وكأنه ينتج خيوط الحرير من ريشة تشبه دودة القز، لأنه يستعمل أسلوب التسلسل الفكري والفني، ليوحي بأهمية الصبر والأناة في إنتاج العمل الفني المبدع.
مقاربة فلسفية واقعية اعتمدت على محاكاة الأحجام ، كحجم الغوريلا قياساً للدبابة، وحجم الرجل وسلطته الذكورية في الممارسات اليومية ، والحجب المغلقة التي تخفي الأفكار السوداء مع خلفية سعى من خلال جغرافيتها إلى تجريد المفاهيم الحياتية داخل اللوحة، وإعادة إحياء اللون والرمز ،وكأنه يعيد نظرية النشوء والارتقاء بلغة فنية تشكيلة محاولا إبراز جمال اللوحة، والتقدم بها كامرأة نالت حقوقها في حياة بكر تتساوى فيها الروح مع الروح، كما تتساوى المادة مع المادة.
لغة فنية بصرية نقرأ من خلالها فينومينولوجيا واعية بصرياً. بل قادرة على منح الحواس صورا مشبعة بالرموز التأويلية ، والإيحائية،بفطرية داروينية بدائية ترتبط بحقوق الإنسان الفاقد للغة الحوار الراقية والهادئة ، وحقوق المرأة المنتهكة ، وتسلط الرجل عليها ، فالألوان الداكنة تركها ضمن الفجوات الزمنية الدائرية بألوان مختلفة ، ليحول الرؤيا البصرية إلى فن إبداعي يحمل تناقضات ألوان، ودوائر، وأحجام، ومساحات، وخلفية يدعو من خلالها إلى ترك الهواجس المقلقة في الحياة، والبحث عن الانطلاق الفني المبدع القادر على إخراج النفس من كبتها، وبلغة تجريدية ربطت الخلفية بالحقيقة والوهم، والإكرليك بالأمل والواقع الملون بالألوان زاهية وأحجار مرصعة، فالبعد الميتافيزيقي مرتبط بزمن العوالم ( الشرق، الغرب) وكأنه يضيق ذرعاً بالفوارق الاجتماعية، المكانية والزمانية، فالفكرة تركها محجوبة، وغير مكشوفة كثفها بالألوان الغامقة ، كامرأة لغز ما زالت تثير فيه الإيمان بقدرته على قوة الكشف عن كل غموض يلف الحياة.
يرصد " غسان غزال" الحركة الضوئية، وكأنه يجمعها بواسطة مرآة مقعرة لتشع كنجم ليلي ، فنشعر أن الكتلة واقعية ثابتة والخلفية تجريدية متحركة، بل كأن عناصر اللوحة منفصلة ومتصلة، والقدرة على تفكيكها أجمل من تركيبها، فالطبقات الأولى التأسيسية غالبا تجريدية، فهي تغطي القماش وتبث لغته الجمالية على الوحدات الفنية المتبقية من أكرليك ووسائل أخرى ، ليمنح البصر أنوثة ذات أبعاد فنية تتلاشى حدودها ، ليبقى فضاء اللوحة مفتوحاً لتأويلات متعددة في لوحة رسم فيها تفاحة الخطيئة متعلقة بخطوط عامودية زمنية خلف غوريلا ضخمة وامرأة بلون أخضر فسفوري تمارس حقها الوجودي من دلال وجمال وإغواء .
يقول بير ريفيردي: " بأن الصورة خلق ذهني خالص لا يمكن أن تولد من مقارنة. بل من مقاربة واقعين متباعدين بنسبة أو بأخرى، وكلما كانت الصلات بين الواقعين المقاربين بعيدة كلما جاءت الصورة قوية." فالوسائل الفنية اقترنت بفرشاة شاعرية تمتص اللون وتوزعه بجاذبية تركت فواتح الألوان مشرقة تناقض الغوامق وتتفوق عليها بصريا ، فالهالة الإشعاعية اللونية تلتف كالسحب حول الجسد لتشعشع الروح بهالات ملونة.
نظرية تطورية جريئة من حيث المضمون والأسلوب، فالمضمون هو مساواة في ثنائية الروح الجسد ، كما الثنائية بين الشكل واللون، والجسم والمساحة، والكتلة والفراغ، واللون الفيزيائي المنبعث من الروح وانعكاساتها الديناميكية والفكرية، فالإسقاطات الحركية على المساحة ،والخط ، والفراغ ارتبطت بعلاقة جدلية مع الخلفية الزمنية ،والمكانية المرتبطة بالذاكرة، فقوة اللون الشفاف الفاتح توازي الإضاءة التي تمحو التوتر والقلق ،وتمنح المتلقي البهجة والسرور والإحساس بالانتعاش، مما يساعد على إدراك جمالية التعبير الذاتي والموضوعي في لوحات تثير الدهشة عند المتلقي.
يبحث " غسان غزال" عن لغة جمالية تمنح السلام، وتبعد لغة القوة والحرب والرصاص المثقوب بدوائر مختلفة الأحجام ، والدبابات الملونة ، كالبشر من مختلف المذاهب والطوائف ، والتي تتصارع على البقاء بعد أن فقدت لغة الحوار، لينتقل من خلال الجدلية المتراكمة على سطح اللوحة إلى خلق ذاكرة تسمو به نحو تحقيق الذات والوجود من خلال فنه ، وخصائصه التزينية بالإضافة للأسلوب المنظم بصرياً، فالمنظور الفني يظهر ملامح فنان يعشق الجمال، كما يعشق الفكر الفلسفي ليمنح المتلقي متعة قراءة لوحة ذكرتني برواية إحسان عبدالقدوس " رصاصة واحدة في جيبي" .
في لوحات " غسان غزال" انعكاس حقيقي لرؤية مشحونة جماليا بالشكل الأنثوي اللغز الفيسيولوجي المبطن في الحياة، مما يؤدي إلى دمج ممتع فنيا، وعوالم شيدها بكثافة لونية أبعدت الرتابة والروتين عن الوجدان، فعمله فني اجتماعي إنساني رغم العاطفة التي تراوحت بين قوة الذكر وضعف الأنثى . إلا أن الإدراك بمنطق المتناقضات كشف عن مهارات وملكات تقنية فنية ابتعدت عن التقليد بشكل واع ، لتتوحد اللوحة مع فراغاتها الداخلية والخارجية، وتحقق الترابط المتين بين اللون والبلورات المضيئة ، كأنها إشعاعات تنبعث من خلايا حية لإثراء الذاكرة الإنسانية بثلاثية الخلق وتفاحة الخطيئة، والطهارة الفكرية، لتصحيح العلاقات الاجتماعية والإنسانية بلغة فنية تتأقلم بيئياً مع المجتمعات الغربية والشرقية، ومع فن تميز بالقدرة على خلق محاكاة حسية ونغمة مكثفة جعلت عين الرائي تبحث عن كل بصمة جمالية نقشها " غسان غزال " في ذاكرة إضاءت فجواتها الفراغية.
Doha El Mol