ثرثرة اجتماعية انتقادية من خلال لوحة فنون كاريكاتورية تشكيلية

ضحى عبدالرؤوف المل

تنبيه!.هل تريد النقد الذاتي؟. أم النقد الحياتي العام في لحظته الساخنة؟..هل تريد أن تدخل أفكار الآخرين؟..أم تريد كتابة سيناريو تشكيلي مع " مازن كرباج" ؟.عند رؤيتك لوحات " مازن كرباج " تسأله تلقائياً من خلال اللوحة ماذا تريد؟.فهو يستفز المتلقي ليبحث عن هوية واحدة يتعرف فيها على " مازن كرباج " لكن هو يسعى إلى ملاعبة الناقد والمتلقي، ليسخر بذكاء من الأوضاع الحياتية بشكلها العام ، ومن نفسه أحياناً، فهو يحاول صم الآذان، عن ثرثرة اجتماعية انتقادية من خلال لوحة لرسوم كاريكاتورية تشكيلية، تؤوّل الواقع وتتمرد على الفن، فالتنوع الأسلوبي في عرض الأفكار يترك المتذوق في حيرة تختنق فيها الأصوات ،كما تختنق بلوحاته المعالم السريالية، فالسرد التعبيري الدقيق في لوحة ما ! يختفي في لوحة أخرى لكن الربط بينهما يحتاج لقوة ملاحظة أظهرها بأسلوبه الخاص، فالاكتظاظ الحركي المحبوك بخطوط تجريدية تستفز النظر، ليكتشف كائنات تغوص في عمق اللوحة التراكمية، وكأن بحر الخطوط الملتفة ما هو إلا البحر الآخر بلون القهوة ترك الباخر فيه صغيرة الحجم غامضة المسير والاتجاه.

مفهوم تسطيحي لرسوم توضيحية تجريدية . اعتمد فيها على حبك تكوين رسوم متحركة يستمتع " مازن كرباج" بتحويرها، لأنه يطرز بأقلام الحبر الملونة،المناظر المأخوذة من البيئة الاجتماعية ، ويضعها في لوحة تصور عدة مشاهد في لقطة واحدة. لا تتجاوز الواقع، إنما تقدمه بنقد ذاتي وواقع فني تشكيلي يكتبه بصرياً من خلال أبجدية يتحكم بها حوارياً أو تجريدياً أو تفكيكياً ،لتكوين منجز حواري يحمل لغة بصرية انعكاسية تتركنا نمعن النظر بخطابه الفني، لننصت باهتمام إلى وقفاته الموسيقية المقصودة، وكأنه يستريح من ثقل مفاهيم الماضي، ويضعها بشكل فن حديث بين يدي المتذوق والناقد والمتلقي.

لابد أنك ستحتاج لمرآة كي ترى وجهك جيدا، وتتفقد ذاتك الداخلية ،لترى كل الرسوم التي انطبعت في مخيلة امتلأت بوجوه نحتاج إلى تصحيحها ، ووضعها في المكان المناسب، فالتلوث البيئي والاجتماعي من اكتظاظ سكاني، وضجيج مدن وما إلى ذلك من أمكنة نفتقد فيها لمعايير الجمال، نجدها في لوحات تنتفض وتثور على الواقع، فالفضاءات المفتوحة في عصرنا هذا تخلق أفكارا تتصارع فيها المفاهيم السلوكية والمعرفية التي تهتم بقضايا المجتمع، والأبعاد الإنسانية وتناقضاتها المرتبطة بعلاقة القضايا الساخرة الملتقطة، والشبيهة بكتابة المقال الصحفي.

ثيمات بصرية متنوعة تأخذك إلى أماكن مختلفة واقعية ومتخيلة استطاع ابتكارها استثنائيا، ليفاجىء دائما من حوله بلغة سيناريو مصور مظهرا اتجاهات فنية معاصرة وبيلوغرافيا متواضعة تجعلنا نراه أمامنا في كل لوحة يبحث فيها عن ذاته، فما من مدرسة فنية تستطيع أن تقول إنه خرج منها، فالارتجال في الفن هو جرأة يطل من خلالها بشتى المواضيع المختلفة ، التي يمكن أن نراها كشريط إخباري يمر أمامنا، ولكن مع " مازن كرباج" بشريط لغة بصرية مصورة مشوقة نستمتع بها ، وتتركنا في تساؤلات لا تنتهي.

شخبطات حبرية لوجوه تعبيرية ،وأشكال تجريدية تنصهر داخل مساحة اللوحة، وكأنها الجزء الأساسي فيها يحاورها ويعيد رسمها أكثر من مرة، حتى تشعر إن زركشات الخطوط تتطاول في حركة بيضاوية بصرية، كوشم جنوني مزدوج يحوله إلى رسم له معالمه الخاصة، فهو يسعى إلى عمل فني معاصر يولد ويموت، ولكن يترك أثره في الذهن كما يترك الخبر الصحفي أثره، رغم التتجدد الإخباري في كل لحظة نعيشها في الحاضر، وتتركنا في حيرة من تواشجها التأثيري على النفس، فالفوضى في أعماله يحوّلها إلى حركة منتظمة يخرجها سينوغرافياً بمنحى استعراضي تعبيري ساخر، وكأنه يستبطن اللوحة ليترك المعاني الانتقادية خلف كل خط تشابك مع الآخر.

يقول كرين برينتون:" كل إنسان له نظرة إلى الحياة تشكّل جزءاً من طريقته في الحياة ولكن ليس الجميع سواء في نظرتهم على الحياة." تكرار حركي مقروء يحرره من القيود المتعارف عليها فنياً، وكأنه يرفض الانتماء إلى أي هوية فنية تحدد هويته، أو تمنحه صفة الوراثة الفنية، فهو يمارس انتفاضته المتميزة، ليحقق وجوده الآحادي المنفرد من خلال التناقض الفني ، والابتكارات المختلفة، وكأن كل لوحة هي شاشة عرض سينمائية أو مسرح خيال الظل، أو مسرح انتقادي اجتماعي ساخر، أو بورتريه لوجوه فككها وتلاعب بأحجامها وعناصرها، لتغدو مشهداً تمثيلياً إيقاعياً بفراغات لها معانيها، فهو تارة ينفي الفراغ ، وتارة أخرى يتمسك به، فالعوالم المتخيلة في أعماله متعددة، وتتجاوز المدن والضجيج، والوجوه، والعيون بأحجامها الكبيرة والصغيرة، والشفاه الغليظة ،والمربعات والمستطيلات والدوائر، فشخوصه صارمة، وغالباً حادة الكلام ،عنيفة غاضبة ، وكأن الطابع العائلي الاجتماعي يظهره في لجة التعابير المكثفة ، محاولا أن يزج بالمتلقي في دوائره، أو أشكاله البيضاوية المفككة والمؤسلبة أحيانا، أو المتشابكة والمتصارعة والمكتظة بالأفكار.

رؤى معاصرة تواكب الفكر الشبابي الأيديولوجي ، فبنية اللوحة تؤدلج اللغة التشكلية التي أراد لها أن تصل الذهن، وتحدث تغييرات تقنية حديثة تحافظ على القيمة البصرية، وتتمرد على الأسس التشكيلية. إلا أن الرسم التوضيحي بالحبر الصيني أو ما يشبه فن الكومكس طغى على أعماله الأخرى عند المتلقي ، فهو يلجأ إلى المكر الفني ليثبت خاصيته وينتصر على الناقد والقارىء والمتلقي كي يعلن عصيان لوحاته على الزمن، لتهيمن على البصر بدون أي تفسيرات جدلية، فخطابه الفني جدلي له أسسه الجمالية التي تريد منع أي تحليل نفسي فني للوصول إلى " مازن كرباج" لأنه يمتلك رهافة حسية يخفيها بكتابته الفنية المرئية ،على التضاد والتناقض في مشهديات تختلف مستوياتها البصرية المتنوعة، وكأنه يتلاعب بالريشة والقلم، كطفل يؤلف فنتازيا فنية داخل مخيلته. يرويها لنفسه قبل النوم، ليحقق محاكاة ذاتية تتجاوز الوضع الاجتماعي، وتحوله إلى فكاهة ساخرة تترجم كل علاقة حسية لها طابعها الواقعي في نفسه.

Doha El Mol