توليفات لونية تكنيكية حبكها بموضوعية فنية استشراقية.

ضحى عبدالرؤوف المل

ما من طبيعة صامتة إلا وتحمل ألف كلمة تضج بالمعاني الجمالية الزاخرة بالحياة، وما من وجه أنثوي إلا ويتألق شكلا ومضموناً. هكذا أراد " جورج باير" دمج الطبيعة الصامتة والشكل الأنثوي مع صورة الحياة والبيئة في لوحة استشراقية فنية تهدف إلى بث العاطفة للوجدان ،وإكساب الرائي سمة شرقية ومفاهيماً واقعية برمزية تعبيرية ليتأمل أرغفة خبز شهية بألوانها المحمّرة ،والقريبة من الفخاريات التي تشير إلى زمان معين ومكان يصف شرقيته من خلال سرد لوني له تفاصيله الفنية، وفواصله الفراغية مع توليفات لونية تكنيكية حبكها بموضوعية فنية استشراقية تساعد على خلق توازنات هندسية، وجيومترية منطقية ملموسة حسياً وبصرياً لو انتزعنا من اللوحة ألوانها أو جردناها من الجزئيات الفنية، لرأينا الأشكال الهندسية تتداخل فيما بينها، لتشكل لوحة هندسية فنية تحمل عناويناً تشكيلية شرقية، وربما هي بائعة الخبز في كل زمان ومكان أو لوحة تشكيلية غلب عليها الطابع الإبداعي الشرقي وحملت مفهوما استشراقيا .

أفكار وموضوعات تحمل في طياتها معالم قصة تراثية ما زلنا نحفظها في الأذهان، لتتجسد في لوحة رسمها " جورج باير" بتجانس رؤيوي تناقض أحياناً بين الواقع والطبيعة الصامتة، وكأنه أراد تجسيد المكان وحفظ ملامحه المتوائمة مع صفات المرأة، والواقع النفسي الذي تثيره برومانسيتها الحالمة، المفعمة بتأملات تنسجم أيديولوجيا مع الألوان المائلة للتناغم الإيقاعي ،والبصري القادر على جذب انتباه الحواس للبنية الاستشراقية الموضوعية في لوحة مستوحاة من قصة بائعة الخبز، ومؤثرات المشهد التشكيلي القائم على محاكاة الواقع الشرقي، والتماثل الفكري بين الرؤية والصورة والقدرة على إظهار التماسك البناء لنسيج اللوحة بشكل عام.

تقارب وتباعد بين الطبيعة الصامتة وشخصية المرأة العاطفية المنسجمة مع الرؤية الفنية القريبة من الرومانسية، والركائز الهندسية ذات المعايير اللونية المترابطة جمالياً وذهنياً حيث الصورة الفنية المستقاة من البيئة، ومناخها اللوني الزاخر بحرارة مؤطرة تتأجج انفعالياً مع الخبز والفخار ولون البشرة والطين، ومع برودة اللون الأزرق العاطفي والشفاف، والمتكافىء مع الضوء والظلال الكلاسيكية، فالخطوط المرنة المغطاة بألوان انعكاسية تظهر قيمة الخط والأشكال الهندسية المرهونة بالمؤثرات البصرية، ومدى توافقها دلالياً مع التعبيرات الواضحة في لوحة استشراقية شديدة التأثر بروح الشرق، والتفاصيل الواقعية النابضة بجدلية فنية تسرد عاطفة إنسانية اجتماعية بمضمون درامي وأسلوب فني تشكيلي ورؤية جمالية تستند إلى مخزون هندسي أكاديمي التزم به "جورج باير"في إخراج الصورة متأثرة بالمفهوم الاستشراقي.

تتألق أبعاد اللوحة هندسياً مع الخطوط التناظرية، والأشكال الهندسية المتأثرة بتزين الأزياء الشرقية، بأبعاد لونية تكنيكية تم توظيفها وفق مبدأ التناقض الحار والبارد الداخل والخارج، وبتأثير تعبيري ظاهر على الوجه والجسد، ومن حيث التقنية في الشكل واللون، والفراغ ، والمساحة والضوء، والظل مع الالتزام بالقيم الروحية للشرق، والدلالات العربية في الملامح والألوان، والخصائص التي تتسم بالحس الإدراكي، وبأسس فنية ذات تطلعات استشراقية. تحكمها المفاهيم الفنية الكلاسيكية التي تتلخص بمشهد دراماتيكي، مقتطع من رؤية شرقية تشكّلت بعفوية المناظر البيئية الطبيعية التي تمثل الأحداث الحياتية ومعاييرها الجمالية.

تناغم ضوئي وحركي يتميز بمهارة اختزالية . تتسم بتقنية مضمونية وأسلوبية، ومن خلال موتيفات شرقية استعرضها مسرحياً بلغة فن تشكيلي استشراقي . حمل إرهاصات تأويلية منحت اللوحة حيوية إيحائية، لفضاءات تخيلية تتسع لمميزات تكوينية. برزت من خلالها الصورة الإنسانية التي تفوح بالرومانسية رغم واقعيتها المفعمة بالألوان الشعبية الدافئة، والهارمونية التي تؤكد على وضوح التباين بشكل عام، والمؤثر على بناء اللوحة الهندسى وجمالياتها الغنية بالعمق الفني، وبالمعاني المنظورية المنسابة لونياً مع حركة الريشة واتجاهاتها الازدواجية مع الظل والضوء ونسيج اللوحة الجذاب بصرياً والمتماسك حسياً ووجدانياً.

تدرجات فنية بين الواقع والخيال والتأليف الاستشراقي المعتمد على الكتب والحكايا المحملة برؤى أدبية وفلسفية استوحى منها ما هو مسخر لرسم لحظة زمنية واقعية غارقة بالخيال، وبتفاعل فني يساعد على خلق حوارات درامية ،متأثرة بصياغة تصميمية تحقق المنطق التقني في تشكيل شفاف وانعكاسي، لرؤية شرقية تهدف إلى تصوير المرأة الشرقية، وهي ضمن بيئتها الحاضنة لها متجاهلا التأثير الشرقي على الغربي، وقدرته على التقاط التفاصيل التي تهتم بالقضايا الاجتماعية.

تقنية لونية جعلها " جورج باير" الأساس لنسيج لوحة تفتح المخيلة نحو أزمنة ما زلنا نراها في الكتب القديمة التي تروي أخبار الشرق، وتفرض فنيا رؤية استشراقية تساهم في خلق تنوع يخدم الفن التشكيلي، لحقبة فنية تركت الأبواب مفتوحة ، لتصوير الشرق وجمالياته الزمنية والمكانية ،والبيئة، والأزياء الشعبية، والمرأة كعنصر يشبه علامات التعجب، والتي ينتج عنها آلاف الأجوبة المثيرة أيضا للفكر الاستشراقي ، وإرهاصاته الفنية المتسمة بمنهجية هندسية لها موتيفاتها،وطبيعتها ذات المناخات الشرقية الرحبة تاركاً للخطوط سيطرة أكاديمية لم يتزحزح عنها كمفهوم فني مرتبط بالقياسات الإبداعية للأحجام والألوان والأشكال ،والفراغات والمساحات المفتوحة لنسيج شبيه بكتلة واحدة لها مميزاتها الهارمونية المنسجمة مع أجزاء اللوحة ككل، ومضمونها الناطق بدلالات فلسفية انطلق منها " جورج باير" مضيفا إليها رؤيته التعبيرية مصورا امرأة تبيع الخبز في الأسواق الشرقية.

اللوحة من مجموعة متحف فرحات

Doha El mol