مرئيات تباينت معالمها المتوافقة مع الأسلوب السريالي

ضحى عبدالرؤوف المل

يستدرجنا الفنان العراقي " عماد الشريفي" ( Imad Al-Sharifi)نحو التفكير والتأمل بمنطق الصور المرئية التي تستحث العقل الباطن على إدراك المعنى الشمولي، لسريالية وظفها سياسياً واجتماعياً وفنياً في الإيحاء الفنتازي،واضعاً المضمون في مرئيات تباينت معالمها المتوافقة مع الأسلوب السريالي المتناغم، و مع رؤية بصرية سيطرت عليها العناوين التي تلامس الواقع، وترفض بشدة تأثيرها على النفس، فالواقعية المتناقضة مع السريالية في أعمال " عماد الشريفي تأخذنا نحو مضامين ما زالت تختزنها الذاكرة الاجتماعية،لأننا ما زلنا نعاني من النعرات الفكرية وحيثياتها ، ففي لوحة " إعدام قلم" ترك للغراب قوة تنفيذ الحكم، ولكنه في هذه اللوحة رغم اليأس، ومشهد الموت واصفرار الأرض منح للحياة ألواناً مشرقة أسقطها على العصفور المغرد. إلا أنه عكس الظل على الغراب والمقصلة ، مظهراً الحقيقة الواقعية والخيالية ،ليمنح المتلقي قوة المحاورة على أرض الواقع الصلبة تشكيلياً ، وفي تسطيح ضوئي تغلغل بين الرموز الإيحائية المسلوبة الملامح الحقيقية ، فالقلم ما هو إلا لسان الصحافة والأدب.

يقول بيكاسو:"إن الفنان يحيط به العديد من القيود وهي ليست دائما من القيود التي يمكن أن يتخيلها الإنسان العادي." إيقاعات ضوئية ، ورموزا إيحائية، وألواناً تتمرد على حركة ظل تكشف عن خبايا الأفكار التي تلتحم بالصورة، وتأخذ أبعادا تحليلية تعتمد على خطاب المخيلة الإبداعية الفنية، وعلى الأشكال والأحجام والألوان بنسبية وزعها جمالياً، ليخاطب الوجدان بوعي فني يتجه لا شعورياً نحو غرابة الفكرة ، مؤكدا على ظاهراتية حديثة من شروطها خلق محاكاة خيالية تستمد وجودها الفني من التخيل القادر على إبراز الموضوع ،ليحلل العقل كل حركة تشكيلية، وكل لون يوقظ الحواس، ويخلق دهشة تثير الكآبة والفرح، أو تزيد من التعاطف والقدرة على توليد الإبداع ، لنتذوق سريالية تهدف إلى إنشاء فنتازيا تروي قصصاً تفارق الواقع وتلتحم بالخيال .

ترابط فني موضوعي بين الوحدات القائمة بذاتها منطقياً في أشكال تتصل بنقاط انطلق منها محورياً، لتصميم الفكرة الغامضة تاركاً السيادة للعناصر الفنية المتآخية مع اللون ، والمعالم المرئية التي سعى إلى التوفيق بينها، معتمداً على البساطة، وعلى مراعاة التكرار، متجنبا التشابه، ومعتمدا على الضوء والظل ،والشكل،والملمس ،واللون،والانعكاس الفكري ،لتحقيق التنوع المنسجم مع القيمة الجمالية، والتفاصيل الإيمائية المورفولوجية ،لنتفاعل مع الأنماط التكونية للمظهر الخارجي وللرموز الداخلية، لفهم الفنتازيا الوظيفية التي تتناول مواضيع حياتية متعددة مثل لوحة " وسائل لبلوغ القمة "، " خداع مورواغة " ، " الانتظار" إلا أنه وظف الدلالة البنيوية الفنية لانجاز لوحات ذات صيغ ترابطية وتعبيرات فكرية تحمل فلسفة تتناقض مع الإرهاصات الثلاثية المتداخلة، والانفعالات الحركية للظل المتغير ، وكأنه بين الثابت والمتغير يبحث عن الحقيقة التي يصعب ظهورها في الحياة.

أشكال منتظمة داخل مساحات تخلق أبعادا تنطوي على تضاد لوني، ينسجم تكوينيا مع المحاكاة المتناغمة هارمونيا. ليزداد الخط تميزا عبر مساراته المختلفة من أفقي، وعامودي ،ومائل ،ومنحني لتتسامى الألوان، وتتدرج بشفافية تزداد نقاوة كلما اقتربنا من شدة التباين اللوني، والمساحات الضوئية والمعتمة ، لتتفاوت درجات الظل وحركته التأثيرية المتأرجحة بين الداكن والفاتح وبين الشفافية والكثافة، لينبلج اللون الأبيض ، كأنه بؤرة ضوء أو فسحة خيالة أو وقفة موسيقية تحدد كل انطلاقة جديدة نحو حياة مشرقة تتوالد منها العوالم المختلفة التي تختلف في فضاءاتها وواقعياتها ،وسرياليتها الدرامية التي تركز على الكبت والقيود، والضغوطات النفسية الناجمة عن العنف والمفاهيم الاجتماعية والسياسية الخاطئة مثل لوحة " خداع ومرواغة" و" الحل الأخير" فهو يمنح المتلقي لذة الاكتشاف لأن لوحاته حافلة بالمواضيع الحياتية التي يصعب البوح بها مباشرة أحياناً. إلا أنه استطاع أن يترجم لنا الرموز في حقيقة موضوعية، كما استطاع سرد المواضيع الإنسانية التي تهتف بالعودة إلى الأصاله وذلك من خلال اللون والقدرة على إظهار صفاوة اللون تاركاً لعودة الحارس حركة إيمائية لونية ترافقها رؤية صافية وإشراقية بيضاء إيقاعية ،كضوء فجر ينبثق بعد ظلام دامس في رمزية اختلطت مع جذوع الأشجار المتكسرة، وكأنه يرمز للموت والحياة، فالسلام المختبىء تحت أجنحة حمامة تركها ،تحط على أغصان عارية من الزهور،وكأنها تنتظر ربيعها ، لتطير مع عودة السلام إلى ربوع العراق، فتراثه ما زال يشهد على عراقة أمة تنضح بالمجد ، فألوان الحصان المجنح الرمادية والحادية ترمز لعودة جلجامش زمانياً ومكانياً في مستقبل غني بالرموز التاريخية.

فسحات ضوئية فراغية تعكس جمالية لوحة تحاكي الماضي والحاضر،وتترك المستقبل ينمو مع مولود ما زال يحبو، وعجلة لم تساير الماضي ولا الحاضر إلا أنها تحتضن المخيلة ،لأنها تعكس الظل وتشهد على أطلال شعرت بها حسياً من خلال كل كتلة متحركة تكونت من ظل غير منسجم مع حقيقة الصورة الأساسية ،فهو رغم هذا ابتعد عن الفوضوية العشوائية ،والتزم بالقوانين التشكيلية، لكنه ترك للظل عشوائيته ورمزية جمالية تفرد بها، في لوحات سيطرت علىها الفكرة الموضوعيه التي أراد تنفيذها بأسلوب سريالي جعلنا نتساءل عن الوجود الإنساني في أزمنة يسيطر عليها الأعلام ،والأحداث المصيرية التي تؤدي إلى تغيرات جذرية ، كتغيرات الظل في لوحات " عماد الشريفي" .

في لوحة " وسائل لبلوغ القمة " صمت تعبيري ، وضجيج ألوان ازدحمت فيها الدلالات الفنية لأنها غالباً إيماءات لونية تتمتع بسر جاذبية قوس قزح ، فالمظلة والقناع والقبعة ما هي إلا مفردات اجتماعية صامتة لا روح فيها جامدة ومؤلمة استخدمها ، كموتيفات واعية إدراكية شكلّها وفق أبعاد ومسافات عززت القدرة على الملاحظة ، لنرفض ولو حسياً الصعود على سلم اخترق السماء ، وكأنه لا شعورياً يرفض بلوغ قمة وهمية في لوحات تأرجح فيها اللون النقي بين الظل والنور.

Doha El Mol