مفردات إيقاعية لمشهد بصري تلويني
ضحى عبدالرؤوف المل
تمتلك المرأة جمالا مميزا، تبرز سماته في حركتها التعبيرية واتزان الجسد، وارتباطه بالمقاييس النسبية والألوان المفعمة بالحيوية، فهي الملهمة الوجدانية القادرة على منح الرموز الخصوبة والجمال، ومنها انطلق الفنان العراقي «علي غسان»، ليعالج من خلال فيسيولوجيتها وكينونتها الجوهرية، وما تمثله كونها نصف المجتمع، مسألة لباس المرأة والعلاقة الجدلية الاجتماعية المرتبطة بهويتها العربية،أو الشرقية بالمعنى الأصح .ليُظهر جاذبية حسية، لفطرة تلقائية تلتقطها العين، إلا أن «علي غسان» في معرضه وضعنا بين مفاهيم متناقضة اجتماعياً وفنياً لم تقتصر على اللباس. بل على أساليب هندسية مخفية عكست الواقع الفني بتجريد ذي مفردات إيقاعية، تستمد نغماتها من المشهد البصري التلويني.
لوحات وضعتنا بين مفاهيم متناقضة اجتماعياً وفنياً، مظهرا قدرة اللون والخط في خلق انسجام رؤيوي مرتبط بالمرأة، وخصائص الجمال المختلفة، متخذاً من اختلافها محوراً تشكلياً يتميز بحيادية رمادية تركها في خلفيات تمثل المرأة الملتزمة بلباس يخفي وجهها. إلا أنه أخفى تجريدياً وجه المرأة الغجرية، والمرأة الكلاسيكية العصرية، فهو يعتمد على لغة اللون الفنية، ليحاكي المتلقي بأسلوب مؤثر، مستخدماً ليونة الخطوط الصادرة عن ضربات ريشة تمد اللون بشفافية وتماسك، مما يمنح أعماله قيمة لونية ترتبط بالأجزاء أو الوحدات الفنية، وتناسقها مع المساحة التي تجعلك تشعر بالحرية المشروطة ضمن مجتمعات ملونة اجتماعياً، مانحاً المرأة العربية تعابير وجه مشتركة رغم الأسلوب التجريدي الذي يشدننا بضبابية ملامحه بشكل عام.
يوهمنا «علي غسان» لنحدد الاختيار بين المرأة المتلفعة بنقابها، وبين المرأة على فطرتها، أو على غجريتها الملونة. إلا أنه استطاع منح الوجه لغة انفعالية تحاورية،تتعلق بجوهر اللون التعبيري المرتبط مع خلفيات بعضها محايد، وبعضها له دلالات حيوية يمثل حرية المرأة المقيدة اجتماعياً، فالحركة واللون والظل والتأثيرات المونوكرومية المرئية ضبابياً على الشكل والوحدة الفنية، تزيد من قوة المحاكاة، وكأنه يخاطب ابنة بابل من خلال الزي الفلكلوري، وقدرة المرأة الميتافيزيقية على التناسب والاندماج في المجتمعات التقليدية، مما يجعله قادرا على خلق أبعاد فكرية محيطة بالأحجام، والأشكال والوظائف الحركية المتعددة التي تجعل المتلقي يتأمل حركة القماش أو المئزر وحركة الشعر، لنتمسك بكينونة المرأة الجوهرية بشكل عام، فلا نستطيع المقارنة بين كونها متلفعة بحجاب،أو بين ظهورها كفرد اجتماعي غجري، أو كلاسيكي عصري وما إلى ذلك، فهي المرأة بمقاييسها الجمالية بغض النظر عن تراثها الفلكلوري أو العصر الحديث المتحرر من أي عادات اجتماعية تمارسها المرأة العربية المحبة للألوان بشكل عام.
مكونات فنية تشكيلية ترتدي الزي التقليدي في لوحات منحها «علي غسان»الطابع البابلي أو العراقي بشكل خاص، والعربي بشكل عام، إلا أن تقنية اللون منحت الحركة أبعاداً ضوئية قادرة على منح الحواس نشوة جمالية تأخذنا مع إيقاعات غجرية مألوفة سمعيا، أو إلى أناشيد فلكلورية تنشدها المرأة البابلية، ولكن بلغة ريشة تتميز بليونة عميقة تبعث التوهج في تفاصيل تختزن العتمة والضوء، وتمزج الصمت بالإيقاع، والواقع بالخيال وكأن سطح اللوحة هو مسرح حياتي تمارس المرأة عليه حقها، للتعبير عن حقوقها وعن إنسانية تحترم المرأة بجميع مذاهبها واتجاهاتها الدينية، والاجتماعية تاركا لها حرية التغلغل في اللون والخلفية، وكأنها هي النقطة اللامرئية رغم ظهورها الجرىء والخجول، المتناغم مع اللون.
يقول جومبريتش:"إن الفن هو اساسا عملية اتصال، أو تخاطب تتم بين الفرد والجماعة وحركة الإبداع لا تتم إلا بهذه الحركة نحو الآخر." فهل يحاول علي غسان كتم صرخة امرأة وإظهار صرخة أخرى؟.. أم أنه يتركها صامتة، ليمنحها القدرة على ممارسة حريتها، كما مارست ريشته الحرية في إبراز الألوان المتناقضة الحارة، والباردة، والحيادية، والمشتعلة، كالمرأة القيادية والمرأة الانقيادية؟..
قيود أزياء سوداء ومزركشة، وحرية ألوان رمادية وزرقاء، وصفراء، وبرتقالية، وخضراء، وأبيض ممتع يتوالف معه البصر، ليعيد الصور ذهنياً، ويكتشف أبعادها مع قوة خطوط لونية، وتطهير فكري إيحائي يظهر بموضوعية بين المئزر الرمادي، والوجه الرمادي، لتوليد الشعور بالحيرة في ذهنية المتلقي، مما يجعله يتساءل هل أتعاطف مع هذه المرأة أم أتعاطف مع تلك ؟. لأنه يرى المرأة بكينونتها دون الاهتمام بشكلها الخارجي. فلغة اللون الفنية قوية، ومؤثرة في ترابطها داخل المساحات والأبعاد الفراغية، فهو استطاع من خلالها أن يمنح المرأة القدرة على تخطي الصعاب، لتتحرر وتمارس حقها في التمسك بالزي الفلكلوري العراقي أو رفضه، لأن ذلك لا يؤثر على المبادىء العامة في كونها نصف المجتمع، فالتناقض هو أساس الحياة، والمنطق التعاطفي مع المرأة مرتبط بالتفاعل الاجتماعي والعقلاني المساعد في تفعيل دور المرأة، ومحو أي غموض ممارس حسياً وفعلياً على المرأة، فهل سنستطيع منحها ابتسامة لم يرسمها «علي غسان» على شفاه حزينة لتضحك للحياة، لكي يولد الإبداع متحررا من القيود الاجتماعية ومؤمنا بالإنسانية؟.
Doha El Mol